ينام عندها، هذا فإما أن يلتمس أن يُذبح عندها جاموسًا أو شاة أو كلبًا أو خنزيرًا أو ضربًا من الحيوان، فحينئذ يذبحه من يريد قطع الشجرة عندها ويلطخها بدمه، ثم يقطعها وإنهم يعتقدون أن من قطع شجرةً من غير أن يفعل هذا لحقته عقوبة ولم ينتفع بما يستخرجه منها.
قال: وروى أنه قال: كنت يومًا بخالان عند زيد بن محمد وهو يومئذ الوالي على المسلمين والناظر في أحكامهم وعدواهم، وقد خرج من عنده إنسان اسمه جوامرد فخرج عليه قوم في الليل، فقاتلهم فقتل وأخذ رحله، فجاء الخبر إلى زيد، وكنت حاضرًا عنده، فقال جماعة حضروا من الفرس: الساعة يطمع الهند في الفرس ويقطعون عليهم الطريق وتنفسد أحوالهم، وهو يسمع الكلام فقال لي زيد: اسمع ما يقولون وإذا تفرّقوا نسوا ما تكلّموا به فقلت له: قد سمعت وسكت أيامًا، فلما كان بعد ذلك بنحو عشرين يومًا بكرتُ يومًا إلى سلامه، وإذا بقوم مكتفين فلم أدر ما هم فصبحته وجلست عنده، وجاء الناس للسلام عليه على الرسم فلما اجتمعوا قال زيد: يا أصحابنا، قد علمتم ما جرى على جوامرد، وهو رجل فارسي، وقد أخذت خُصماءه فليقم كل واحد منكم فليقتل واحدًا منهم كما قتلوا صاحبكم، وقد وجدنا بعض رحله وحسابه، فليتسلّم ذلك واحد منكم يبلغ به أهله ويخلّصني منه، ونظر إلي مذكرًا لي ما كانوا تكلّموا به في الأول، فَسَكَتَ الجماعة وما ردّ عليه أحد جوابًا، فقال: يا أصحابنا ليس هذا بمستو، توقعوني وتتبرأون، تجتمعون، وتتكلّمون بما تشتهون، فإذا حقت الحقائق أخذ كل واحد منكم في طريق ما تنصفوني، الله المستعان، ووجه إلى دار السلطان فطلب الذي بيده القتل، فقتل السرّاق وصلبهم على ساحل البلد، واتفق أن السلطان كان مجتازًا في الماء في عسكر كبير، فرأى رؤوسًا على خشب وقومًا مصلبين على الساحل، فقال السلطان: ما هذا؟ قالوا: لصوص قطعوا على أصحاب زيد فوجه خلفهم فوقعوا بيده فقتلهم، فقال السلطان: بارك الله فيه، ما علمت أن في الفرس من يجيء منه هذا، مَنْ يلومني على محبّة زيد، وهو يؤمّن الفرس في بلدي - ويحمل عني مثل هذا، وصار له عند السلطان بذلك يد.
فهذه جملة كافية فيما يحكى عن العجائب. ولو لم أجدها من تصنيف جليل لجليل ما نقلتها لكثرة ما يقال في مثل هذا مما يكاد يئن سقمًا ويتساقط وضعًا. على أن البحر لا حرج على من حدّث عن عجائبه، وأخبر عن غرائبه، وتلك الأقطار الشرقية كثير ما يحدث عنها، وإنما الاقتصاد أجمل، والاقتصار أخرى بالتصديق وإبراء لناقله من جاهل حاسد، أو عالم معاند.