للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عندهم متقارب وربما وصل مركب في الصيف من بعض الأخوار القريبة، ويكون وقت ليس فيه مطر، فلابد أن يجيء المطر والرعد الشديد إلى أن يدخل المركب البلد وينقطع الرعد والمطر، وهذه عادتهم لا تُخلف ولا تحيل، وكنت أنا بكلة شتاءً وصيفًا ورأيت الأمر على ذلك وجربته، فلم يخط، وهذا مشهور لا ينكره أحد ممن دخل تلك الديار، وأقمت بكله سنة ستين وسنة إحدى وستين وثلاثمائة، وخرجت منها إلى سحالان فوصلت إلى كرب وهي ساحل سحالان تنجل المراكب بها، ويقيمون نحو شهرين إلى أن يزيد الماء العذب من خور سحالان في وقت الزيادة والانتظار فيجري الماء من سحالان في خليج إلى كوب ويَصُبُّ في البحر ماء عذبًا، ويحمل الناس حمولتهم في القوارب ويخرجون فيه من كرب إلى سحالان مسيرة سبعة أيام، فيه مواضع مثل البطائح والأهواز نباتها القصب لا فرق بينها وبين البطائح، فإذا وصل الناس إلى سحالان يقيمون ثلاثة أشهر فينصرف ذلك الماء الذي جرى في الخليج ويجف حتى يكون فيه طريق يمشي فيه الناسُ، ويبقى القصب فيباع بأموال وهو رطب علف الأفيلة وسائر البهائم، وهذا صورته من السنة إلى السنة، وكان الناس بسريرة في حالة عظيمة يأخذ التمساح في كل يوم من الساحل جماعة، فضج أهل البلد، وشكوا إلى السلطان فجمع علماءهم وقال لهم: هل من حيلة في هذا التمساح أوله دواء عندكم، فقال له واحد منهم: أنا أشدّه وأكفي الناس أمره، فقال السلطان: إن فعلت ذلك أحسنْتُ مكافأتك، فمضى البنكوا وغاب عن السلطان أيامًا وعاد إليه وقد فرغ من الأمر ونصب الصورة التي عملها وقال للسلطان تأمر بضرب الطبل في البلد وتأمر الناس يغتسلون في الخور، فقال السلطان إن الناس على خوف شديد. وإن فعلت هذا لست آمن أن يكون الأمر غير تام فيلحق الناس منه حال أكون ملومًا عليه، فقال البنكوا: إن لحق أحد من الناس سبب من التمساح فدمي لك حلال، فأمر السلطان بضرب الطبل في البلد فضُرب ودخل الناس مجربين فما رأوا إلا خيرًا، ووقَفَتْ التماسيح على وجه الماء وما رأوا إلا خيرًا، وكان عند الناس من هذا سرور عظيم، ومضى عليه مدة يسيرة فقال السلطان لبعض غلمانه: إذا دخل فلان البنكوا فخذه عندك واضرب رأسه ولا تسلني عنه، فدخل البنكوا على الرسم إلى دار السلطان، فاستدعاه الغلام وفعل به ما أمره السلطان، فلما وقف على ذلك أصحاب السلطان ومن يخصه قالوا له: أيها السلطان بما استحق فلان البنكوا أن يُقتَل؟ قال: ما كان له ذنب ولكني سُرِرتُ بما عمله من أمر التمساح، وتخوّفتُ أن يتغيّر قلبه بعد وقت فيفسد ما عمله، وأحببت أن يبقى الأمر على هذا لأجل ذلك، ولمنفعة الناس بهذا الحال، وبقي

<<  <  ج: ص:  >  >>