اصفرت الشمس، قام وأخذ العصا وساق الغنم بعد أن صاح صيحة أرعبتني، واجتمع الغنم إلى موضع واحد وأوردهم شبه خليج في الجزيرة فيه ماء عذب، فسقاهم وشرب، وشربت ضرورة وقد أيقنت بالموت، ثم ساقنا أجمعين، حتى أوردنا موضعًا قد عمله بين الأشجار وحجره مثل الحظيرة، وحوله الخشب طولًا وعرضًا كأحكم ما يكون، وله شبه الباب الذي يكون في الدار يرفعه ويرمي به قائمًا ولا يمكن أن يدخل من خلال ذلك الخشب شيء. فرفع الباب ودخل الغنم، ودخلتُ معها، وإذا في وسط تلك الحظيرة مثل العرزالة (١) في ارتفاع نحو عشرين ذراعًا على الخشب الوثيق، والعرزالة على سقف البيت، فما عمل شيئًا حتى أخذ شاةً كانت من أصغر الغنم وأهزلها فدق رأسها حتى فَدَغَهُ، ثم أجّج نارًا وجعل يقطع الشاة بيديه وأسنانه كما تفعل السباع ويرمي باللحم مع الجلد والصوف في النار ويأكل كما يأكل السبع، وأكل الكبد ما أشبهه مما في جوف الشاة نيًّا، ثم عمد إلى الغنم فلم يزل يشرب من هذه وهذه حتى شرب من عدة كثيرة، ثم أخذ شاةً من أكبر الغنم فقبض على وسطها بيديه وأتاها (٢) وهي تصيح، ثم أخذ أخرى ففعل بها مثل ذلك ثم صعد إلى تلك العرزالة فأخذ شيئًا كان يشربه ونام. وجعل ينخر كما ينخر الثور، فلما انتصف الليل جعلتُ أدب قليلًا قليلًا إلى موضع النار وتتبعت ما بقي منه من لحم وبطون فجعلتُ آكل منه بمقدار ما يمسك رمقي وخفت من شُرب اللبن أن ينفر الغنم فينتبه فيجعلني مثل الطير والشاة، وبقيت مطروحًا إلى الغداة فلما أصبح وساق الغنم وساقني معهم ويومئ إليَّ مع هذا بكلام لا أفهمه وأتكلم بما أعرف من اللغات فلا يفهم عني، وكنت قد صرت مثل الخشبة ضُرًّا وهزالًا، وصار عليّ من الشعر أمر عظيم، وأظنه لما رآني على تلك الصورة عافتني نفسه، وكان ذلك سبب تأخيره أكلي. ولم أزل معه في تلك الجزيرة نحو عشرة أيام يفعل في كل يوم مثل ما يفعل في الذي قبله سواء ولا يمضي يوم إلا ويصيد فيه الطير والطيرين فإن حصل له من الطيور ما يشبعه لم يأكل من الغنم. وإن قصرت به الطيور أكل شاةً، وصرتُ أعاونه في إيقاد النار وجمع الحطب وأخدمه وأدبر الحيلة لنفسي إلى أن مضى لي عنده نحو من شهرين، وصلح جسمي ورأيت في عينيه آثار السرور، ووقع لي أنه قد عزم على أكلي، لأنه قد زاد في الاحتياط علي وعرفت أمره فيما يشربه وأنه من شجر الموز ومن شجر في الجزيرة يجمع ورقه وثمر مع أبدان الموز
(١) في العجائب: (الغزالة)، وفي الحاشية أنها (النسيج). (٢) في العجائب: (فسخمها).