للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فينقعه في الماء. ثم يصفيه ويشربه فيسكر طول ليلته حتى لا يعقل، وكنت أرى في تلك الجزيرة طيورًا كبارًا في عظم الفيل والحمار والثور، وأكبر منه وأصغر، ومنها شيء قد أكل بعض غنمه وإنما يسكن هو وغنمه، في تلك الحظيرة [خوفًا] من تلك الطيور؛ لأنها بين شجر كبار، وقد جعل تحت الشجر مثل السراديب من وثاقة ما قد عمل، والطير تفزع أن تنزل إلى هناك فتتعوّق في الأشجار وتبقى في مكانه، فلما كان في ليلة من الليالي شرب وسكر ونام، ثم قمت ودببت، وتعلّقت بشجرة ومسكت غصنًا من بعض أغصانها، ونزلتُ أمضي على وجهي في طلب صحراء قد كنت أشرفت عليها من بعض ذلك الشجر الذي صعدته في مقامي، فلم أزل أمشي على وجهي بين الأشجار إلى الصباح، فلما أصبحتُ تنكّبتُ طريقي خوفًا منه، وتعلقت بشجرة عظيمة الساق، ومعي خشبة قد أعددتها وعملت على أنه إن لحقني فصعد خلفي ضربتُ رأسه، فإما أن أدفعه عن نفسي وإما أن يقتلني إذ كان الموت لابد منه .. أقمتُ معه أم فارقته. فمكثت يومي في الشجرة فلم أره، وقد كنت أخذتُ قطعة من ذلك اللحم المشوي، فلما أمسيت أكلتها ونزلت فمشيتُ ليلتي إلى الصباح، فلما أصبحتُ وجدتني في صحراء، وفيها أشجار متفرقة وأمنتُ ذلك الرجل، فمشيت وما أرى أحدًا إلا الطيور ووحوشًا لا أعرفها وحيات ووصلت إلى ماء عذب وأشجار، فأقمتُ بمكاني وجعلت آخذ من ذلك الثمر ومن موز وجدته فآكل وأشرب من ذلك الماء أيامًا والطيور تطيف بي بالغيظة، إلى أن عيّنتُ على طير منها فأعددت شيئًا من قشور الشجر مثل الحبال، ولم أزل أرصد ذلك الطائر حتى سقط في الغيظة يرعى، ودرت من خلفه تعلّقت بساقه وهو مع ساقي هذا مشغول يرعى وشددت نفسي مع ساقه بذلك القشر، فلما فرغ من أكله شرب ماء وتحلّق في الهواء، فأشرفت على البحر وعانيت أمرًا عظيمًا، ولأني قد علمت أنه الموت لا محالة هان الأمر عليّ، فلم أكذب أن قطع بحارًا إلا ما شاء الله وانحط في جزيرة على جبل فيها فحللت نفسي من ساقه ونزلت وأنا قطعة لحم ضعفًا في جسمي وقلبي، وجعلتُ أجر نفسي إلى خلف خوفًا أن يدور عليَّ فلا آمن منه وطلعت إلى شجرة أخفيت شخصي فيها، فلما أصبحتُ رأيت دخانًا، فقلت: الدخان لا يكون إلا مع الناس فنزلت من الشجرة وجعلت أمشي إلى أن قاربت الدخان، فما مشيت قليلًا حتى اعترضني جماعة فأخذوني وكلموني فلم أعرف لغتهم، وكلمتهم فلم يعرفوا لغتي. وحملوني إلى أن وافوا بي قريةً بيوتها من طين وخشب فأدخلوني في منزل من منازلهم، وحبسوني في بيت فيه ثمانية أنفس أو تسعة، فسألوني عن خبري فحدثتهم، وسألتهم فخبروني أنهم أهل مركب فلان، وكان خارجًا من الصنف إلى الزايج فوقع عليهم

<<  <  ج: ص:  >  >>