خيزران فيه ثويبات كنت قد جمعتها وحليات لي وللصبي وذخيرة كنت قد ذخرتها، وغطيت ذلك كله وأَحْكَمته، وجعلتُ الصبي فوقه، وخرجت في مركب، فلما صرنا نحو رفكان أخذنا الخبّ فانكسر المركب نصف الليل، وتفرّق الركاب والبابانية في البحر، فلم يَرَ أحد صاحبه وتعلقت بلوح من الألواح، فضبطته. ولم أزل عليه إلى نصف النهار من الغد، حتى رانا صاحب مركب مجتاز، فجمع من رأس الماء نحو عشرة أنفس، كنت أحدهم، وحملنا إلى مركبه ونكسوا رؤوسنا حتى قذفنا الماء الذي شربناه في البحر، وسقونا أدوية وعالجونا إلى الغد، حتى رجعت نفوسنا إلينا. وأنا قد يئست من ابني لما أنا فيه، وزال الفكر فيه عن قلبي، فلما كان من غد قال صاحب المركب وأنا أسمع: انظروا هذه المرأة ألها لبن؛ لأن هذا الصبي الذي وجدناه هو ذا يموت فقالوا لي: يا امرأة ألكِ لبن، فذكرتُ الصبي، فقلت: قد كان لي لبن وقع ما ترى فما أقدر أنه قد بقي منه شيء، فقالوا: على كل حال انظري هذا الصبي، فإنه يموت، فجاؤوني بالسرير وفيه الصبي بحاله ما فتحوه، ولا أخذوا منه شيئًا فلما رأيته وقعت على وجهي وصرخت وغشي عليّ، فرشوا علي الماء، وقالوا: ماتَتْ، فأفقتُ بعد ساعة، وأقبلت أبكي وأضمّ الصبي إليّ، قالوا: يا هذه المرأة مالك؟ فقلت: هذا الصبي ابني، فقام صاحب المركب واجتمع كل من في المركب علي وقالوا: هذا ابنك؟ فقلت: نعم، فقالوا: إن كان ابنك فأيش الذي فيه فاقبلت أعدّ عليهم ما تحته، ففتحوه. وجعلوا يخرجون شيئًا فشيئًا، كأنه إنما وضع الساعة، فما منهم أحد إلا بكى بكاءً عظيمًا، وحمدوا الله وشكروه، فأنا غرقت في ذلك البحر، وفرق الله بيني وبين ابني، فجمعني الله وإياه على تلك الصورة، أخاف من هذه الوحلة، إن كتب الله علي الغرق لم ينفعني الحذر.
وقال: حكي عن رجل يقال له: أبو طاهر البغدادي أنه قال: دخلت الرانج (١) من بلاد جزيرة الرانج بلد يقال له: مرقاوند و به عنبر كثير، وأنه ما حمل قط من ذلك العنبر في مركب وخرج عن البلد إلا رجع إليه، وأنهم يحتالون في بيع العنبر على الغرباء، ومَنْ لا يعرف خبر العنبر بأرخص سعر وأدونِهِ، وأن أبا طاهر هذا كان في مركب فيه شيء من هذا العنبر قد حُمِل - سرا من صاحب المركب فرجعت الريح عليهم وردتهم إلى البلد.
(١) الرانج جزائر كثيرة. قال صاحب الروض المعطار ص ٢٦٦ أنها تقابل بلاد الزنج الساحلية.