للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كان مكانها كل لؤلؤة في البحر ما تلبست به، امضوا وغوصوا وقولوا باسم الله وعلى بركة الله. قال: فغاصوا على اسم الله فما صلّى صلاة المغرب من ذلك اليوم، وهو آخر يوم من الستين حتى حصل بيده دُرّتان أحداهما اليتيمة والأخرى دونها، فحملها إلى الرشيد (١) وباع عليه اليتيمة بسبعين ألف دينار والصغرى بثلاثين ألف دينار وانصرف إلى عُمان بمائة ألف دينار فبنى بها دارًا عظيمة، واشترى واعتقد عقدًا. وداره معروفة بعمان وبعض حيطانها وأبنيتها باق إلى هذا الوقت. فهذا ما كان من خبر اليتيمة.

قلت: وهذا مضمون لمن اتقى بقوله ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا (١) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٢).

قال (٣): ومن طرائف الأخبار ما حدثني به بعض أصحابنا. قال: ركبتُ في سفينة من الأبلة أريد عُمان فأخذتنا الرياح والأمواج وزاد الأمر علينا حتى نزعنا ثيابنا ولم يكن عندنا شك في أنا تالفون، وكان في السفينة امرأة معها صبيّ، وكانت ساكنة، فلما اشتد بنا الأمر أخذت ترقص الصبي وتضحك، ولم يكن فينا فضل لخطابها؛ لأنا كنا يئسنا من الحياة، فلما صرنا في الشط، وأمنا الغرق، قلتُ لها: يا هذه الامرأة أما تتقين الله ﷿، أنتِ ترين ما حلّ بنا من البلاء، وأنا قد يئسنا من الحياة، وأنت ترقصين الصبي وتضحكين ما خِفْتِ الغرق كما خفنا، فقالت لنا: لو سمعتم حديثي لعجبتم ما أنكرتم من صبري وتهاوني بالغرق، قلنا لها حدثينا، قالت: أنا امرأة من أهل الأبلة، وكان لوالدي صديق من ربابنة المراكب المختلفة من عُمان إلى البصرة وكان إذا ورد المركب الذي هو من عمان نَزَلَ إِلينا وأقام عندنا أيامًا، وأهدى إلينا، فَعَلَ مثل ذلك وأهدينا إليه ما يمكننا، وكان رجلًا مستورًا. فزوجني أبي، به فما مضت إلا ثلاث سنين حتى توفي أبي، فقال لي قومي أحملكِ إِلى عُمان، فإن لي بها والدة وأهلًا فخرجت معه إلى عُمان، وكنت مع أهله بها مقدار أربع سنين، وهو مختلف بين عُمان والبصرة، ثم توفي بعمان بعد أن ولد هذا الصبي بخمسة أشهر فلما قضيت العدة لم يطب لي المقام بعمان؛ لأن مقامي إنما كان بسببه فقلتُ لوالدته وأهله: أريد أن أرجع إلى أهلي بالأبلة فقالوا لي: إن أقمت عندنا قاسمناك حياتنا، فليس لنا في الدنيا غير هذا الصبي وسألوني فأبيتُ، فلما عَزَمْتُ على الخروج اشتريت للصبي سريرًا وثيقًا من


(١) هارون الرشيد، ابن محمد المهدي الخليفة العباسي للفترة من ١٧٠ حتى وفاته سنة ١٩٣ هـ (مختصر التواريخ ص ١٢٥).
(٢) سورة الطلاق: ٢ - ٣.
(٣) عجائب الهند ص ١٢١.

<<  <  ج: ص:  >  >>