للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بين يديه ثم يكونون معه حيث سلك يأكلون بأكله، ويشربون بشربه ويتولّون إطعامه ويستقصون سائر أحواله، فلا يدخل إليه حظية ولا جارية ولا غلام إلا فتشوه، ولا يُفرش له فراش إلا فتشوه، ولا يُقدّم له طعام أو شراب إلا قالوا للذي أحضره يأكل منه أولًا وما أشبه هذا من سائر الأشياء. فإن مات قتلوا أنفسهم، وإن أحرق نفسه أحرقوا أنفسهم، وإن مرض مرضوا بمرضه وإن حارب أو حورب كانوا حوله ومعه. ولا يجوز أن يكون هؤلاء البلاوجرية إلا من عليّة أهل الموضع، ومن يرجع إلى الموضع ومن يرجع إلى حدّة وبسالة وشهامة، وله رواء ومنظر، فهذا معنى البلاوجرية فلما قال الملك للببغاء: إنا بلا وجرك نزلت من القفص وجاءت فوقَفَتْ على الخوان لتأكل فقفز السنور فقطع رأسها، فأخذ الملك بدن الببغاء فجعله في صينية وجعل عليه الكافور وحوله الهال والكبابه والجوزبوا والبسباسة وورق التانبوك والفوفل والنورة، وضرب الطبل ودار في البلد في عسكره والصينية على يده، ثم كان يوجه بالصينية في كل يوم فيطوف بها في البلد مدة سنتين وكسر فلما طال ذلك اجتمع عليه البلاوجرية وغيرهم من أهل مملكته فقالوا له: هذا قبيح، وقد طال الأمر فيه، فإلى كم تدافع إما إن تفي وإلا فعرفنا حتى نعزلك ونقلد ملكًا غيرك؛ لأن في الشرط إذا قال أنا بلاوجرك، ثم وجب عليه حكم فدافع به أو نكل عنه، فقد بصر بهند، والبهند عندهم من لا يجوز عليه الحكم لقلته ومهانته وسقوطه مثل المغني والمحتكر والراس وما أشبهه، والملك ومَنْ دُونه في ذلك سواء إذا نكل عن واجب، فلما رأى هذا جمع العُود والصَّنْدَل والسمن وحفَرَ حُفْرةً وجعل ذلك فيها وأحرقه بالنار ثم رمى بنفسه فيها فاحترق وأحرق بلا وجريته وبلا وجرية البلاوجرية نفوسهم معه. وكان أصل ذلك قوله للببغاء أنا بلاوجرك.

وقال (١): حدثني عن محمد بن سعيد أخي إسحاق الخطيب لأمه أنه قال: رأيت بسندابور (٢) رجلًا من الهند قد اجتاز بدار فانصب عليه وعلى ثيابه بول من تلك الدار، فوقف وصاح بهم: هذا الذي انصب عليّ ماء من غسل اليد أو من غسل الفم وهو عندهم أقذر ما يكون، فقالوا له: هذا بول صبي بال الساعة، فقال: ها: كنا، أي جيد، ومضى وعندهم إن البول أنظف من الماء الذي غسل به اليد أو الفم.

وقال (٣): حكي أن الواحد منهم يتغوّط وينزل إلى الثلاج وهو مستنقع المياه المنصبة من الجبال والصحارى عند كثرة الأمطار والسيول حتى يغتسل فيه ويستنجي.


(١) عجائب الهند ص ١٠٨.
(٢) في العجائب: (سندان).
(٣) عجائب المخلوقات ص ١٠٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>