للسيرافي: أتعرف ما يقول الغراب؟ قال: لا. قال: يقول لا بد أن آكل من هذا الأرز الذي أكلتموه، فقال: فعجبتُ من قوله، لأنَّا كنا قد أكلنا جميع الأرز الذي كان معنا حتى لم يبق منه شيء. ونهضنا وأخذنا في مشينا، فما سرنا فرسخين حتى لقينا خمسة أنفس أو ستة من الهند، فلما رآهم الهندي اضطرب وقال لي: أريد أن أقاتل هؤلاء، قلت: لم؟ قال: لأنَّ بيني وبينهم عداوة. فما كلمني بما أراد حتى جردوا خناجرهم واجتمعوا عليه فقتلوه وشقُّوا بطنه حتى خرج ما فيه، ووقع عليَّ من الفزع ما لا يمكنني معه المشي فسقطت كالباهت العقل، فقالوا لي: لا تفزع، فإنَّ هذا بيننا وبينه عداوة، وأنت لا بأس عليك، ومضوا وتركوني، فما تباعدوا حتى سقط غراب لا أشك أنه ذلك الغراب، فجعل يلقط الأرزَّ الذي خَرَجَ من جوفه.
قال (١): ومن طريف أخبار البحار ومن ركبها واستغنى فيه خبر إسحاق اليهودي، وكان رجلًا يتصرف في الدلالين بعمان فوقع بينه وبين رجل من اليهود خصومة، فهرب عن عمان إلى بلاد الهند ومعه نحو ثلاثمائة دينار لم يكن يملك سواها، وغاب عن البلد نحو ثلاثين سنة لا يعرف له خبر، فلما كان في سنة ثلاثمائة ورد عُمان فحدثني غير واحد من إخواننا البحريين أنه ورد عُمان من الصين في مركب لنفسه وجميع ما فيه له. وأنه قاطع أحمد بن هلال صاحب عُمان عن المركب لثلاثلا يحصى ما فيه (٢)، ويفتش عليه بمكس ألف ألف درهم ونيّف، وأنه باع على أحمد بن مروان بابة واحدة من المسك مائة ألف مثقال فائق (٣)، وقدَّر ابن مروان أن ليس معه غير هذا المقدار من المسك، فباع على أحمد بن دربند بأربعين ألف دينار بابة أخرى وباع على رجل آخر بعشرين ألف دينار بابة أخرى واستقاله أحمد بن مروان المسك فنقصه في كل مثقال درهم فكانت الحطيطة مائة ألف درهم، وكانت معه كل طريقة من طرف البحر، وطار اسمه في البلاد وحسده الخلق، وطلب منه بعض أهل الشر شيئًا فلم يعطه فخرج قاصدًا إلى بغداد، وكان أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات (٤) وزيرًا فسعى باليهودي فلم يلتفت إليه فتسبب إلى بعض الأشرار من أصحاب المقتدر بالله وتنضَّح في اليهودي.
وقال: حُكي أن رجلًا خرج من عمان ولا شيء معه، وأنه عاد ومعه
(١) عجائب الهند ص ١٠١. (٢) في العجائب: (ويعثر). (٣) كذا في الأصل. وفي العجائب: مائة ألف مثقال من المسك الفائق. (٤) ابن الفرات وزير المعتمد بالله سنة ٢٩٦ ثم نكبه ثم وزر له بعدها، انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٤٢١.