مركب من عمان مع عدة مراكب إلى جدة في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، فوقع علينا في بعض الأيام ريح شديدة فرمينا ببعض الحمولة وتخلف بعض المراكب، وأصيب البعض، وسرنا فلما صرنا بين كمران (١) وعثر (٢) … وقع بنا خبّ عظيم وريح عظيمة هائلة مختلفة فتقطعت الأناجر، ولم نضبط المراسي، وحملتنا الرياح، وكان معنا عدة مراكب من عدن وغلافقة (٣) وعثر وفيها جلبة (٤) جديدة حسنة من غلافقة، فرأيتها وقد طرحتها الريح والأمواج على جبل في البحر، ونزلت الأمواج عنها، فانقلبت فلعهدي بالأمتعة والناس يتساقطون إلى البحر من جوف الجلبة (٥) وغرقت الجلبة فما سلم أحد من أهلها.
وقال (٦): حدثني غير واحد من البحريين بأمر سعيد الفقير العدني، وكان رجلًا صالحًا من أهل عدن يسف الخوص ويلزم مسجدًا بها يصلّي فيه سائر الصلاة، وكان له ثلاث بنين يعيشون أو بعضهم مثل معاشه، وإن بعض البحريين جهز مركبًا إلى كله (٧) وكان صديقًا لسعيد، فلما عزم على الخطوف (٨) قال له أسألك أن تسألني حاجة وتعطني بضاعة، فاشترى بنصف درهم جرّة خضراء وبدائق ملحًا جريشًا وجعله فيها وطينها ودفعها إليه وقال: هذه بضاعتي فقال له: فما أشتري لك بها؟ فقال له: اشتري لي بركة كما يقول الناس، فيما لا يعينون عليه، وخَطَفَ المركب ووصل إلى كله، وباع ما فيه وأنسي صاحب المركب الجرّة، فبينا هو كذلك في سوق كله إذ رأى رجلًا يجر سمكة في حبل وينادي من يشتري بركة، فلما سمع ذكر جرة سعيد الفقير، فدعا صاحب السمكة فقال: هذا جنس من السمك يسميه الصيادون بركة، فقال في نفسه لعل الرجل أراد هذه السمكة بعينها، فاشتراها على أن يعطيه بالثمن وزن أوقيتين ملح، وأجلسه وأنفذ بعض أصحابه إلى المركب، فجاء بالجرة كهيأتها ففتحها وأعطى الرجل من الملح ما وافقه عليه، وأمر بحمل السمكة إلى المنزل الذي يسكنه، وشُقَّتْ لتملح ببقية
(١) جزيرة قبالة زبيد باليمن (معجم البلدان ٢/ ١٣٩). (٢) عثر، موضع باليمن (معجم البلدان ٤/ ٨٥). (٣) بلد باليمن عن الساحل (معجم البلدان ٤/ ٢٠٨). (٤) الجلبة: قارب كبير كان يستخدم في البحر الأحمر. (٥) في العجائب: (من فوق الجبل). (٦) عجائب الهند ص ٩٥. (٧) فرضة بالهند في منتصف الطريق بين عمان والصين (معجم البلدان ٤/ ٤٨٨). (٨) الخطف والخطوف تعني رفع أشرعة السفينة استعدادًا للسفر.