للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وانفدت فيه أربعة من البانانية، وقلت اقصدوا ذلك السواد، فانظروا ما هو، فمضوا وعادوا، فقلنا: ما ذلك الشيء؟ فقالوا: ماقيا (١) الربان على مطيال معه قربة ماء، قلت لهم: فلم لم تحملوه؟ فقالوا: قد اجتهدنا به فقال: لا أصعد إلى المركب إلا بشريطة أن أكون الربان وأدبر المركب وآخذ أجرتي بنحو قيمة ألف دينار متاعًا بشرى سيراف (٢)، وإلا لم أصعد، فلما سمعنا هذا الكلام خَبُثَتْ نُفوسنا ونزلت جماعة من المركب، وصرنا إليه وهو في البحر تضربه الأمواج، فسلمنا عليه وضرعنا إليه في الصعود، فقال: حالكم أقبح من حالي، وأنا إلى السلامة أقرب منكم، فإن دفعتم إلي بقيمة ألف دينار متاعًا بشرى سيراف، ورددتم إليَّ أمر المركب صعدت، فقلنا: هذا مركب فيه أمتعة وأموال عظيمة لخلق من الناس ولا يضرنا أن نعرف ما عند ماقيا (٣) من الرأي بألف دينار نبسطها على سائر أمتعة المركب، فضمنا له ألف دينار، وصعد والقربة والدونيج معه إلى المركب، فلما حصل فيه قال: سلموا متاعًا بألف دينار، فسلمنا إليه، فلما أحرزه، قال للربّان: اجلس ناحية فتباعد ذلك عن موضعه، وقال هو: ينبغي أن تأخذوا في أمركم ما دام عليكم مهلة، قلنا: فبماذا؟ قال: ارموا الثقل كله في البحر، فرمينا نحو نصف حمولة المركب أو أكثر، ثم قال: اقطعوا الدقل (٤) الأكبر فقطعناه ورميناه إلى البحر، فلما أصبح، قال: ارفعوا الأناجر واتركوا المركب يسير لنفسهِ، فَفَعَلْنَا، فقال: اقطعوا الأنجر الكبير، فقطعناه، وبقي في البحر، وأخذنا الخبّ (٥)، فلولا أنا كُنّا قد رمينا بالحمولة وقطعنا الدَّقل، لكنا قد غرقنا من أول موجة أخذتنا، ولم يزل الخبّ ثلاثة أيام بلياليها والمركب تصعد وتنزل بغير أنجر ولا شراع، ولا ندري كيف نمضي، فلما كان في اليوم الرابع أخذت الريح في السكون، وتم سكونها، وصلح أمر المركب آخر النهار، وأصبحنا في اليوم الخامس والبحر طيب والريح مستقيمة، فاصلحنا دقلًا ورفعنا الشراع وسرنا وسلم الله، وَوَرَدْنا الصين، فأقمنا إلى أن بعنا واشترينا وأصلحنا المركب ودقلًا بدل الدقل الذي رمينا به في البحر


(١) في عجائب الهند: عيهرة.
(٢) بشري سيراف بشراء سيراف، أي بالأجر المتعارف عليه بسيراف.
(٣) في العجائب: (عبهرة).
(٤) الدقل: سهم السفينة.
(٥) الخب: هيج البحر، يقال: أصابهم الخب إذا اضطربت أمواج البحر والتوت الرياح في وقت معلوم تلجأ السفن فيه إلى الشط أو يلقى الأنجر، يقال: خب بهم البحر، يخب (تاج العروس ٢/ ٣٢٨ عن التهذيب).

<<  <  ج: ص:  >  >>