ثوبين فأحرمتُ فيهما، وعلموني كيف أحجّ فسهّل الله لي الحج، وخفت أن ارجع إلى بغداد فيأخذني مولاي فيقتلني، فخرجت مع قافلة أخرى إلى مصر، وكنت أخدم الناس في الطريق، فكنت آكل معهم ووهبوا لي وكسوني، فلما دخلت مصر ومن صفتها كذا رأيت النيل (١)، فقلت هذا الماء من أين يجيء، فقالوا: أصله من بلاد الزنج، فقلت: من أي ناحية فقالوا: من ناحية كذا وكذا، فلزمت ساحل النيل، أخرج من بلد وأدخل آخر، وأطلب طول طريقي ما أؤمله، فوقعت في مدينة كذا، فاستعبدوني، وهربت ووقعتُ في مدينة كذا فباعوني، وهربتُ، ولم أزل أمشي من مصر حتى وردت البلد الفلاني من مواخر الزنج، فسألت عن بلدي هذا فقيل: إن أهله ما أجْلَسُوا ملكًا، فاحتلت إلى أن ركبتُ في مركب إلى موضع كذا، ثم ركبتُ إلى موضع كذا، ثم مشيت إلى بلدي ووافيته قبل مجيئكم بشهر، وليس في البلد ملك، فعدتُ إلى ملكي، وأنا اليوم فَرِحٌ مسرورٌ؛ لأن الله مَنَّ عليَّ بالإسلام ومعرفة الدين والصلاة والحج، وبلغت ما لم يبلغه أحدٌ في بلاد الزنج غيري، ومالي حسرة إلا شيء واحد، قال: فقلت: ما هو؟ قال: مولاي الذي هربت منه ببغداد اشتراني بنيف وثلاثين دينارًا، وكنت أشتهي أن أرى ثقةً فأدفع إليه ثمني ليردّه عليه ويستحله لي، ويحدثه بحديثي ليعذرني ولا يدعو علي. ولو كان فيكم خيرًا وفيكم ثقة لدفَعْتُ إِليه ثمني ليرُدَّه على مولاي. ووهبت له عشرة أضعافه بدلًا من أجرته على ذلك. ولكن ليس فيكم ثقة على حبة واحدة. قال: فودعناه، فقال: امضوا وإن رجعتم فبهذه المعاملة أعاملكم، وأزيدكم في الإحسان إليكم، وأما تشييعكم إلى مركبكم فليس إليه سبيل، وافترقنا.
وقيل لي: إن ببلاد الزنج قافةً حذاقًا فهماء.
وقال (٢) لي اسماعيلويه عن بعض النواخذة: إنه قال: دخلتُ بلاد الزنج في سنـ اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، فقال لي بعض القافة: كم أنتم من مركب؟ فقلتُ: ستة عشر مركبًا، فقال: يسلم منها إلى عُمان خمسة عشر مركبًا وينكسِرُ مركب منهم، يسلم منهم ثلاثة أنفس، وتحلّ بهم شدة عظيمة، ويتخلصون إلى عمان، قال: فخرجنا كلنا في يوم واحد. وكنت آخر من خرج منهم، فأغذذت السير لألحق الأول منهم، فلما كان في اليوم الثالث رأيتُ من بعد مثل الجزيرة السوداء، وأزعجني في السير ما لم أنحدر معه لحطّ الشراع لأعدل عنها؛ لأنّ السير في ذلك البحر شديد جدًا، فما كذبت
(١) في عجائب الهند: البحر الحلو الذي يسمونه النيل. (٢) عجائب الهند ص ٧٨.