للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الوجوه التي نعرفها في تلك الكرة فأيقنا على الحقيقة بالهلكة، ولم يمكن أحد أن يكلّم صاحبه من شدّة الرعب فاغتسلنا وتحنّطنا وتكفنا وأخذونا ووافوا بنا دار الملك. فأدخلونا، فإذا ذلك الملك بعينه جالس على السرير كأنا فارقناه الساعة، فلما رأيناه سجدنا، وذَهَبَتْ قوانا، فلم يكن بنا حراك للقيام، فقال: ارفعوا رؤوسكم فقد آمنتكم على أنفسكم وأموالكم، فرفعنا رؤوسنا، وليس نقدر أن ننظر إليه حياءً وخوفًا وجزعًا، فقال لنا: يا غدارين، فعلتُ لكم وصنعت ففعلتم وصنعتم، فقلنا: أقلنا أيها الملك، واعْفُ عنا. فقال: قَدْ عفوت عنكم، فتسوقوا كما كنتم تسوقتم في تلك الكرة فلا اعتراض عليكم، فلم نُصدّق من السرور، وقدّرنا إن هذا من طريق المكر والخديعة حتى يحصل الأمتعة في الساحل فنجلنا الأمتعة وحملنا إليه هدية بمال له مقدار، فردّها علينا، وقال: ليس مقداركم عندي أن أقبل لكم هدية ولا أُنجس مالي بما أخذه منكم، فإن أموالكم كلها حرام. فتسوّقنا على الرسم وحان خروجنا فاستأذناه في الحمل. فأذن لنا، فلما عزمنا على الخطوف (١) قلت: أيها الملك، قد عزمنا. فقال: امضوا في غير حفظ الله (٢)، فقلت: أيها الملك قد عاملتنا بما لم نُقدّره لأنا غدرنا بك وظلمناك، فكيف تخلّصت ورجعت إلى بلدك؟ فقال: نعم بعتموني بعمان، فحملني الذي اشتراني إلى بلد يقال له: البصرة من صفته كذا، فتعلمت به الصلاة والصيام وشيئًا من القرآن، ثم باعني مولاي على آخر حملني إلى بلد ملك العرب الخليفة الذي يقال له بغداد، ووصف بغداد، فتَفَصَّحْتُ بها، وتعلمت شيئًا من القرآن والصلاة، وصليت مع الناس في الجوامع، ورأيت الخليفة الذي يقال له المقتدر (٣)، وأقمت ببغداد سنة وكسر، حتى وافي قوم من خراسان على الجمال فنظرتُ إلى خلق كبير، فسألت عنهم في أي شيء جاؤا، فقالوا: يخرجون إلى مكة، فقلت: ومكة هذه ما هي؟ فقالوا: فيها بيت الله الحرام الذي يحجّ إليه الناس في كل بلد، وحدثني حديث البيت فقلت في نفسي: سبيلي أن أتبع هؤلاء إلى هذا البيت، فعرفت مولاي ما سمعت من حديث مكة والبيت فرأيته ليس يريد أن يخرج إليه ولا يدعُني أخرج، فتغافلتُ عنه حتى خرج الناس، فلما خرجوا تبعتهم وانقطعت إلى رفقة كنت أخدمهم طول الطريق، وأكل معهم، ووهبوا إلي


(١) خطف: أي رفع أشرعة السفينة استعدادًا للسفر.
(٢) في عجائب الهند: في حفظ الله.
(٣) المقتدر بالله، أبو الفضل، جعفر بن أحمد المعتضد، ولد سنة ٢٨٢ هـ، بويع بالخلافة سنة ٢٩٥ هـ وخلع بعد أربعة أشهر ونصب ابن المعتز، وأعيد المقتدر بعد يوم، ثم خلع سنة ٣١٧ هـ ثم أعيد إلى وفاته سنة ٣٢٠ هـ انظر: مختصر التواريخ ص ١٧٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>