حُسْنُ الخلق، فسألنا عن أخبارنا فعرفناه أنا قصدنا بَلَدَهُ، فقال: كذبتم أنتم قصدتم قنبلة فحملتكم الريح إلى البحر وطرحتكم إلى أرضنا، فقلنا: هكذا كان، وإنما أردنا التقرب إليك، فقال: نجّلوا الأمتعة. وتسوّقوا، ولا بأس عليكم. قال: فحططنا الأمتعة، وتسوقنا أطيب سوق. ولم يلزمنا ضريبة ولا مؤونة إلا ما أهديناه إليه. وأهدى إلينا مثله أو أكثر منه. وأقمنا في بلده شهورًا. فلما كان وقت خروجنا استأذناه، فأذِنَ لنا. فحملنا الأمتعة، وفرغنا من أمورنا، فلما عزمنا على السفر عرفناه ذلك، فقام ومشى معنا إلى الساحل مع جماعة من أصحابه وغلمانه ونزل في الدوانيج، وصار معنا في المركب، فصعد هو وسبعة أنفس من وجوه غلمانه وأصحابه ونظاف أسبابه، فلما حصلوا في المركب قلتُ في نفسي: هذا الملك يساوي في عمان في النداء ثلاثين دينارًا ويساوي السبعة مائة وستين دينارًا، وعليهم ثياب بعشرين دينارًا تحصل لنا أقله (١) منهم ثلاثة آلاف درهم، ولا يضرنا من هذا شيء، فصحت بالبنانية (٢) فشالوا الشراع ورفعوا الأناجر وهو مع ذلك يسلّم علينا ويؤنسنا ويسألنا الرجوع إليه، ويعدنا بالإحسان متى عدنا إليه، فلما رفعت الشراع ورآنا قَدْ سِرْنا تغير وجهه. وقال: أنتم تسيرون أستودعكم الله، وقام لينزل إلى دوانيجه فقطعنا حبال الدوانيج وقلنا له: تقيم معنا فنحملك إلى بلدنا ونجازيك على إحسانك إلينا ونكافئك فقد فعلت بنا وصنعت، فقال: يا قوم لا تغدروا بي، فإني ملك. وأنتم قوم وقعتم إليّ وقدرتم إن أهل بلدي يأكلونكم ويأخذون أموالكم، فأحسنت إليكم، وحقنت دماءكم، وما أخذت منكم حقًا، وجئت لأودعكم في مركبكم إكرامًا مني لكم، فاقضوا حقي بأن تردوني إلى بلدي. قال: فلم نفكّر في كلامه، وأخَذَتِ الريح المركب، فما مضَتْ ساعة حتى غابت بلده عن عيوننا، وأظلنا الليل، ودَخَلْنا اللج، وأصبحنا والملك وأصحابه في جملة الرقيق وهم نحو مائة رأس في المركب، وعاملناه بما نعامل به سائر الرقيق. قال: وأمسك، فما أعاد علينا كلمة، ولا خاطبنا بشيء وتغافل عنا كأنه ما عرفنا ولا عرفناه، ووصلنا إلى عُمان فبعناه مع سائر أصحابه في جملة الرقيق. فلما كان في سنة خمس عشرة وثلثمائة خرجنا من عُمان نريد قنبلة فحملتنا الريح إلى سفالة الزنج، ولم نكذب أن (٣) وَرَدْنا ذلك البلد بعينه وبصرُوا بنا فخرجوا إلينا، وأحاطت بنا الدوانيج، وإذا
(١) كذا في الأصل، وفي عجائب الهند: على الأقل. (٢) باناني، أو البنيان، وجمعها بنانية، كلمة هندية معناها تاجر، وشاع استخدامها في العربية أيضًا بمعنى ملاح صغير القدر. (عجائب الهند، حاشية ص ٥٢). (٣) لم نكذب أن، أو ما كذب ان تستعمل مع النفي، كما تستعمل في بعض اللهجات العامية بمعنى: سرعان، أو نفذ ما انتوي عليه.