إليها، ثم صبر وصابر، وجَدَّ واجتهد، حتى فتحها الله على يديه، فكان أبا عذرتها؛ لأنه ما سبق إلى فتوحها، ولا طمع قبله سحاب بمجاورة سفوحها وفيها قال أبو تمام يمدح المعتصم (١): [من البسيط]
السيف أصدق أنباءً مِنَ الكتب … في حَدِّهِ الحَد بين اللهو (٢) واللعبِ
وقد نبة فيها على أنه لم يستفتح أحد قبله لها بابًا ولا كشف عن بكرها المخدّرة جلبابًا، وهو قوله:
يا يوم وقعةِ عموريةَ انْصَرَفَتْ … عنكَ المنى حُفَلا مَعْسُولَةَ الشَّنَبِ (٣)
أبقيتَ جَدَّ بني الاسلام في صَعَدٍ … والمشركينَ وجَدَّ (٤) الشرك في صَبَبِ
أَمْ لَهُمْ لو رَجَوْا أن تُفْتدى جعلوا … فداءَها كل أم برةٍ وأب
وبرزة الوجهِ قَدْ أَعْيَتْ رياضتُها … كسرى وَصَدَّت صُدودًا عن أبي كَرِبِ
بِكْرٌ فما افترعتها كلٌّ حادثةٍ … ولا تَرَقَّتْ إليها همةُ النُّوبِ
من عهد إسكندر أو قبل ذاك وقد شَابَتْ نواصي الليالي وهي لم تَشِبِ حتى إذا مخض الله السنين لها مخص الحليبة كانت زُبدة الحِقَبِ وكان فتح المعتصم لها بعد فتح أنقرة على ما نذكره عند ذكره انقرة في موضعه ولها يعني عمورية نهر جارٍ كبير، يمر جنوبًا حتى يصبّ في الفرات ويسمى نهر قباقب وهي رصيف إلى جميع البلاد المجاورة لها والمباعدة عنها، وبها ديارات جليلة وأسواق وعمارات، ومزدرعات وأشجار، وبينها وبين الدرب مائتان وسبعون ميلًا، والدرب (٥) هو جبل حاجز بين بلاد إنطاكية وبين بلاد خرسيون (٦) منتصبًا هناك من المغرب إلى المشرق، وفيه أبواب عليها حصون وحرّاس له، ترقب الداخل والخارج، وهذا الدرب هو الذي في قول امرئ القيس (٧): [من الطويل]
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونَهُ … وأَيْقَنَ أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبكِ عينُكَ إنّما … نحاولُ ملكًا أو نموت فنقبرا
(١) ديوان أبي تمام ١/ ١٨٩. (٢) في الديوان: (الجد) بدل (اللهو). (٣) كذا في الأصل، وفي الديوان: (الحلب). (٤) الديوان: دار. (٥) نزهة المشتاق ص ٨١٠، والروض المعطار ص ٢٣٦، ومعجم البلدان ٢/ ٤٤٧. (٦) في الأصل: (جرسون) والتصويب عن النزهة. (٧) ديوانه ص ٦٥.