من قبل أن ترشف شمس الضُّحى ريقَ الغَوادي مَنْ ثغور الاقاح وكذلك قوله فيها أيضًا (١): [من المتقارب]
ذكرت صقلية والأسى … يهيج للنفس تذكارها
ولولا ملوحة دمع البكا … حسبت دموعي أنهارها
لكفى صقلية فيما قد قدحتْ من ذُكاء، ومَنَحَتْ من ذكاء، مع أن كتب التواريخ ومجاميع الادب مُجَمَّلة بمحاسنها محمّلة باحاسنها، ولقد كان بها أيام الاسلام من أُمرائها ملوك ألباء وأعيان أدباء، ما مِنْهم إلا من يُقصد له ويمدح، ويقصد ويمنح، وكذلك من ملكها من ملوك الكفار ما برحوا تستميلهم الفضائل، وتسمير بهم الفواضل، ومنهم الملك أجار، وهو الذي عنى بمعرفة أحوال البلاد، وصنّف له الشريف كتابه الموسوم بنُزهة المشتاق، وهو أصح كتاب في هذا الباب فانفق في تأليفه الأعمار وانْفَدَ الأموال، مع ما كان يوصف به هذا الملك أجار من إتقان الحكمة الفلسفية والأشكال الهندسية، ومما يحكى عن ملوكها مما ينتظم في سلوكها أن بعض بني رواحة وكان شاعرًا ركب البحر في جماعة فصادفهم اسطول صقلية، وأُسر، فوقف لملكها وأنشد: [من الطويل]
بَقِيتُ وَوُقِّيتَ الرّدى وكُفيتَهُ … وَوُفِّقتَ للدنيا وَوُفِّقت للأخرى
أيا ملكًا جالَتْ أساطيل جيشه … فأعظَمَتِ القتلى وأكثرت الأسرى
وأجريتها في لجة البحر إذ جرى … فأسكرتَهُ جَرْيًا وأجْرَيتَها بحرا
وكنا لما تجري المقادير عصبةٌ … ركبنا به والموجُ يخطفنا ذُعْرا
وجاءت من الأصطول طيرٌ مُسِفَةٌ … أحاطت بنا من كل ناحية قسرا
فقمنا إليه ثائرينَ لِدَفْعِهِ … نُغالِبُهُ قهرًا فعاجلنا قهرا
وما بي سوى أمّ عجوز وصِبْيَةٍ … كزغب القطا لا تعرفُ النفع والضرا
تركتهم والله يعلم أنّهم … بأضيق حال لا تريد به العُمرا
مفاليس في ضُر وشمْلٍ مُشَتَتٍ … أشدَّ من الأسرى فياليتهم أسرى
ولو أنهم أسرى لكانوا بِغبطَةٍ … فإنا لديكم لانجوع ولا نعرى
فأطلقه ومَنَّ عليه، وَوَهَبَهُ آلافًا وزوّده وجهزه في مركب إلى أهله.
ومن أمرائها المسلمين أبو الحسين أحمد بن الحسن الكلبي (٢)، ومن شعره:
(١) ديوانه ١٨٣.
(٢) الأصل «الحسين» وهو أحمد بن حسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي، ولي صقلية منذ سنة =