الذي به إلى انقضاء الشتاء، وهو من عجائب الأرض، وقد رأيناه عيانًا (١)، ومن مدينة اشبونة (٢) كان خروج المغرّرين (٣) في ركوب بحر الظلمات ليعرفوا ما فيه وإلى أين انتهاؤه ولهم بمدينة أشبونه موضع بمقربة الحمة منها درب منسوب إليهم يعرف بدرب المغرّرين إلى آخر الأبد، وذلك أنهم اجتمعوا ثمانية رجال كلهم أبناء عم فأنشأوا مركبًا حمالًا وأدخلوا فيه من الماء والزاد ما يكفيهم لأشهر، ثم دخلوا البحر في أول طاروس الريح الشرقية، فجروا بها نحوًا من أحد عشر يومًا، فوصلوا إلى بحر غليظ الموج، كدر الروائح، كثير التروش (٤) قليل الضوء، فأيقنوا بالتلف، فردوا قلاعهم في اليد الأخرى، وجروا مع البحر في ناحية الجنوب اثنى عشر يومًا، فخرجوا إلى جزيرة الغنم، وفيها من الغنم ما لا يأخذه عدّ ولا تحصيل، وهي سارحة لا راعي لها، ولا ناظر إليها، فقصدوا الجزيرة، ونزلوا بها فوجدوا عين ماء جارية عليها شجرة تين بري، فأخذوا من تلك الغنم وذبحوها، فوجدوا لحومها مرة لا يقدر أحد على أكلها، فأخذوا من جلودها وساروا مع الجنوب اثنى عشر يومًا إلى أن لاحت جزيرة فنظروا فيها إلى عمارة وحرث، فقصدوا إليها ليروا ما فيها، فما كان إلا غير بعيد حتى أحيط بهم في زوارق هناك، فأخذوا وحملوا بمركبهم إلى مدينة على ضفة البحر، فأنزلوا فيها، فرأوا بها رجالًا شقرًا زُعْرًا شعورهم سبطة، وهم طوال القدود ولنسائهم جمال عجيب، فاعتقلوا في بيت ثلاثة أيام، ثم دخل عليهم في اليوم الرابع رجل يتكلم باللسان العربي، فسألهم عن حالهم وفيما جاؤا، وأين بلدهم فأخبروه بكل خبرهم، فوعدهم خيرًا وأعلمهم أنه ترجمان الملك، فلما كان في اليوم الثاني من ذلك اليوم أحضروا بين يدي الملك، فسألهم عما سألهم الترجمان عنه، فأخبروه بما أخبروا به الترجمان بالأمس من أنهم اقتحموا البحر ليروا ما به من الأخبار والعجائب، ويقفوا على نهايته، فلما علم الملك ذلك ضحك، وقال للترجمان، أخبر القوم أن أبي أمر عبيدًا من عبيده بركوب هذا البحر، وأنهم جروا في عرضه شهرًا إلى أن انقطع عنهم الضوء وانصرفوا من غير فائدة تجدي، ثم أمر الملك الترجمان أن يَعِدَ القوم خيرًا وأن يحسن ظنهم بالملك، ففعل ثم صُرِفوا إلى موضع حبسهم إلى أن بدأ جري الريح الغربية فعمر بهم زورق وعصبتْ أعينهم وجرى بهم في البحر برهة. قال القوم: قدرنا أنه ثلاثة أيام
(١) الكلام للادريسي، النزهة ص ٥٤٧. (٢) في النزهة: لشبونة. (٣) وردت قصة المغررين في نزهة المشتاق ص ٥٤٨ وعنه في الروض المعطار ص ٦١ وخريدة العجائب لابي حفص عمر بن الوردي ص ١٩. (٤) في الأصل: القروش، والتصويب عن النزهة والروض.