ولنسائهم جمال فائق، ومما ذكره الملك المؤيد (١) صاحب حماة في تقويم البلدان (٢):
ان مما وقع في هذا الاقليم الرابع مدينة دلّي من الهند وهي في وقتنا قاعدة الدنيا لاتساع مكانها وارتفاع أركانها، وقد ذكر صاحب حماه طولها مائة وأربعة وعشرون درجة وأن عرضها ست وثلاثون درجة مجبورة، وما ذكرنا هذا إلا لأنه قد يُستغرب وقوع شيء من الهند في الرابع فأقمنا عليه البرهان بما ذكره من عرضها، وقال: وهي مدينة كبيرة، وتربتها مختلطة بالحجر والرمل، وعلى فرسخ منها نهر كبير دون الفرات، وهي بعيدة عن البحر وتمطر في الصيف.
قلت: ومن العجب أن تُمطر في الصيف وهي في الرابع، وسيأتي ذكرها في موضعه إن شاء الله مفصلًا. وهذا تمام ما وقع في هذا الاقليم من البر المتصل من أول الغرب إلى آخر الشرق.
وأما ما وقع به من الجزائر فإنه جانب كبير، به ممالك ذوات ملك جليل.
فمن ذلك معظم جزيرة الأندلس، ذات المدن الكبار والقواعد العظيمة، ومعظمها للفرنج، غلبوا على المسلمين وابتزوا منهم منها ملكًا عظيمًا وسلطانا جليلًا، والذي وقع في هذا الاقليم من الأندلس من مدينة طريف (٣) المطلة على بحر الزقاق المقابلة للقصر الصغير من برّ العدوة إلى مدينة طركونة، وحدّ هذه القطعة من الجنوب ساحل البحر الشامي الآخذ غربًا بشرق من طريف إلى طركونه ومن الشرق من طركونة إلى لاردة، وهما داخلتان في الحد، ومن الشمال من سرقسطة إلى قورية وهي داخلة في الحد، ومن الغرب ساحل البحر المحيط حيث يأخذ من الجنوب إلى الشمال من طريف إلى أشبونه، وقد كانت الأندلس تسمى اشبانية وربما سماها الفرنج بهذا الاسم إلى اليوم، وهي من جنات الدنيا لنزاهتها وما هي عليه من كثرة المياه والأشجار والفواكه والثمار. وفيما يقال: ان النصارى فاتتهم جنة الآخرة ولم تفتهم جنة الدنيا، وقد وقع معظمها في هذا الاقليم وهو أوسط الأقاليم وأوفرها حظًا في خطط التقاسيم، وقد استوطنها بقايا بني أمية، وكان عهدهم بدمشق وبلاد الشام وخصبها العام وحسنها التمام، فمصروا مدنها ومدنوا قراها وكثروا قليلها، وزادوها حسنًا وأفادوها حسنى،
(١) الملك المؤيد، عماد الدين اسماعيل بن محمد بن عمر المعروف بأبي الفداء المتوفى سنة ٧٣٢ وقد أشير إلى كتابه (تقويم البلدان) في تعليقات كثيرة. (٢) تقويم البلدان ص ٣٥٨. (٣) نسبة إلى طريف بن أبي زرعة والذي أرسله موس بن نصير فنزل بها فنسبت إليه انظر: الروض المعطار ص ٣٩٢.