يتوقد بصيرة، ويتوقل حيث أراد مصيره، ويتنقل في رتب لا يخاف دونها تقصيره ولا يمتد إليها من خواطره أيدٍ قصيره، رُدَّ إلى قلبه نور بصره، وإلى فكره الجوال مطمح نظره، فاجتمعت قواه على معانٍ تستثير لوابدها، وتستنير من أفق خاطره فراقدها، وتستمير من حاصله المكتنز فرائدها، وتستميح من فكره المتدفق فوائدها، وكان زير نساء له بهواهن ولوع، ولطائر فؤاده في اشراكهن وقوع، وبنجواهن غرام لا يحين لصبوته نزوع، وربما وصفت له إمرأة فأحبّها بالسماع، وأحلّها من قلبه حيث استطاع، وكلف بها وما حط عنها له من عماه القناع، وكان مع هذا التهتك بالغرام، والتهالك في الغرام، زنديقًا كافرًا لا يؤمن ببعث ولا نشور، ولا يوميء في معتقده إلا إلى اعتقاد ظلمة ونور. يقول بمذهب ماني، ويذهب في ضلّة الأماني، ويحفظ عليه لغو الكلام، ولهو الحديث مما يخالف الإسلام، ولكنه كان فحلًا من فحول الشعر لا يذاد سواسه ولا تُهيب لليقظة نوّامه، لو تقدم في صدر الدولة الأموية لما حمد شعر حميد بن ثور الهلالي، ولا أثبت الفخر لأبي صخر الهذلي ولا جرى ذكر الفرزدق وجرير، ولا أجلس الأخطل عند الخليفة على السرير، ولا عد عدي بن الرقاع، ولا كان الراعي ممن لا يُراع، ولا قيل: قال مالك بن أسماء بن خارجة، ولا وفر نصيب نُصيب في هذه الأسماء الرابحة، وربما انحط في شعره تعمدا، وانحل للنساء تقصدًا أو تصيّدًا، وإلا فهو العالي نمطه الغالي ما يخبئه سفطه، ويهنيه أن الدر سقطه. ومما هو
= طخارستان (غربي نهر جيجون) ونسبته إلى امرأة «عُقيلية» قيل إنها أعتقته من الرق. وكان ضريرًا. نشأ في البصرة وقدم بغداد. وأدرك الدولتين الأموية والعباسية وشعره كثير متفرق من الطبقة الأولى، جمع بعضه في ديوان - ط ٣ أجزاء منه. قال الجاحظ: «كان شاعرًا راجزًا وسجاعًا خطيبًا، صاحب منثور ومزدوج، وله رسائل معروفة». واتهم بالزندقة فمات ضربًا بالسياط، ودفن بالبصرة. وكانت عادته، إذا أراد أن ينشد أو يتكلم أن يتفل عن يمينه وشماله ويصفق بإحدى يديه على الأخرى ثم يقول. وأخباره كثيرة. ولبعض المعاصرين كتب في سيرته، ومنها «بشار بن برد - ط» لإبراهيم عبد القادر المازني، ومثله لأحمد حسين منصور، ولحسنين القرني، ولمحمد علي الطنطاوي، ولحنا نمر، ولعمر فروخ. له ديوان شعر نشره وقدم له وشرحه محمد الطاهر بن عاشور، ط القاهرة ١٣٦٩ هـ/ ١٩٥٠ م. ومنه أفدنا. مصادر ترجمته: وفيات الأعيان ١/ ٨٨ ومعاهد التنصيص ١/ ٢٨٩ و تاريخ بغداد ٧/ ١١٢ والشعر والشعراء ٢٩١ وأمالي المرتضى ١/ ٩٦ - ٩٨ وخزانة البغدادي ١/ ٥٤ وفيه: مات سنة ١٦٨ وقد نيف على تسعين سنة - كذا - والأغاني طبعة دار الكتب ٣/ ١٣٥ ثم ٦/ ٢٤٢ والكامل للمبرد ٢/ ١٣٤ ونكت الهميان ١٢٥ والبيان والتبيين تحقيق عبد السلام هارون ١/٤٩ وانظر فهارسه. الموسوعة الموجزة ٢/ ١٧٠. الأعلام ٢/ ٥٢ معجم الشعراء للجبوري ١/ ٣٤٧ - ٣٤٨.