للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أوقد من الذهب المخزون ذبالا، وأورد الكتائب خفافًا وأصدر ثقالا، وهو أول شاعر اكترت في جوائزه أعداد الآلاف، وإمداد الأموال بلا خلاف، وكان شاعرًا لا يوطأ بمنسم، ولا يعض بناب، وماهرًا مبرءًا من كل ما يعاب، ادخن ما لا يعلم، وفخرنا بالدينار لا بالدرهم، حتى كانت له أموال جمة، طالما خنقتها خيوط الأكياس، وأخفتها قبور الصناديق عن أعين الناس، هذا بعد فاقةٍ كان منكفًا بلبوسها، مكشفًا ببؤسها، لا يجد بلاغ ساعة، ولا بلل ريق من شدّة المجاعة، وهو الجواد على علاته، والعهاد المتدفق في كل حالاته، وله من القريض ما لا يواخيه الروض الأريض، إلا أنه كان يتمالى على أهل البيت ويتفنن بهجائهم إلى الرشيد في تلك الأيام ومن شعره المستجاد قوله في معن الجواد، وهي اللامية التي شهد لها ابن المعتز بإحسانه، وفضله بها على شعراء زمانه، منها (١): [من الطويل]

بَنُو مَطَرٍ يَوْمَ اللِّقَاءِ كَأَنَّهُمْ … أُسُودٌ لَهَا في بطن خَفَّان أَشْبُلُ (٢)

هُمْ يَمْنَعُون الجَارَ حَتَّى كَأَنَّما … لِجَارِهُمُ بَيْنَ السِّمَاكَيْنِ مَنْزِلُ (٣)

تَجَنَّبَ «لا» في القَوْلِ حَتَّى كَأَنَّهُ … حَرَامٌ عَلَيْهِ قَوْلُ «لا» حِينَ تَسْأَلُ

تَشَابَه يَوْمَاهُ علينا فأَشْكَلَا … فلا نَحْنُ نَدْرِي أَيُّ يَوْمَيْهِ أَفْضَلُ

أَيَوْمُ نَدَاهُ الغَمْر أَمْ يَوْمُ بأَسِهِ … وَمَا مِنْهُما إِلَّا أَغَرُّ مُحَجَّلُ (٤)

بَهَالِيلُ في الإسلام سَادُوا ولم يَكُنْ … كَأَوَّلِهِمْ في الجَاهِلِيَّةِ أَوَّلُ (٥)

هُمْ القَوْمُ إِنْ قَالُوا أَصَابُوا وَإِنْ دُعُوا … أَجَابُوا وَإِنْ أَعْطَوْا أَطَابُوا وأَجْزَلُوا


= الناس، مع يساره».
وفي كتاب «الفلاكة والمفلوكون» ٨٠ بعض أخبار بخله. وفي وفيات الأعيان ٢: ٨٩ بعد قوله إن جده أبا حفصة كان مولى لمروان بن الحكم وأعتقه يوم الدار؛ لأنه أبلى يومئذ فجعل عتقه جزاءه: «وقيل: إن أبا حفصة كان يهوديًا طبيبًا أسلم على يد عثمان بن عفان أو على يد مروان». وجزم ٦٨ Huart بأن ابن أبي حفصة كان ابنًا ليهودي من خراسان وهي رواية ضعيفة قد تكون مما لفقه عليه من كان يهجوهم. أضف إلى هذا قول ابن خلكان: «ويحيى بن أبي حفصة، كنيته أبو جميل، وأمه حيا بنت ميمون، يقال: إنها من ولد النابغة الجعدي وأن الشعر أتى إلى أبي حفصة بذلك السبب». الأعلام ٧/ ٢٠٨، معجم الشعراء للجبوري ٥/ ٣٧٠.
(١) القصيدة في ديوانه - عطوان - ص ٨٨ - ٨٩ في ١١ بيتًا، وديوانه - التميمي - ص ٢٥٦ - ٢٥٨ في ٩ أبيات.
(٢) خفان: موضع قرب الكوفة، هو مأسدة. أشبل: جمع شبل، وهو ولد الأسد إذا أدرك الصيد.
(٣) السماكان: نجمان.
(٤) الندى الغمر: الكرم الواسع السابغ البأس: الشدة في الحرب الأغر المحجل: الأبيض.
(٥) البهلول: العزيز الجامع لكل خير، والحي الكريم.

<<  <  ج: ص:  >  >>