للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فيفعلون له ذلك، فقال لهم الإسكندر: يأتيكم هذا التنين من مكان واحد أو من أمكنة كثيرة؟ قالوا: من مكان واحد، قال لهم: أروني مكانه، فانطلقوا به إلى قرب من موضعه، ثم نصبوا به الثورين فأقبل التنين كالسحابة السوداء وعيناه تلمعان كالبرق، والنار تخرج من جوفه، فابتلع الثورين وعاد إلى موضعه، فأمرهم الإسكندر أن يجعلوا له في اليوم الثاني عجلين، وفي اليوم الثالث مثل ذلك فاشتد جوعُه، فأمر الإسكندر بثورين عظيمين فسلخا وحشي جلودهما زفتًا وكبريتًا وكلسًا وزرنيخًا، وجعلهما في ذلك المكان المعلوم، فخرج التنين إليهما على حسب عادته فابتلعهما ومضى فاضطربت تلك الأشياء في جوفه فلما أحس بإشعالهما، وكان قد جعل في تلك الأخلاط كلاليب حديد فذهب ليتقيأ ذلك من جوفه، فتشبكت الكلاليب في جوفه فخر وأقعى (١) وفتح فمه ليستروح فأمر عند ذلك الإسكندر فحميت قطع الحديد، وحملت على ألواح حديد، وقذفت في حلق التنين، فاشتعلت الأخلاط في جوفه فمات، وفرج الله ﷿ عن أهل تلك الجزيرة. فشكروا الإسكندر عند ذلك وألطفوه، ووهبوه من طرائف ما عندهم.

وكان فيما حملوه إليه من طرائف ما عندهم دابة في خلق الأرنب، يبرق شعرها في صفرة كما يبرق الذهب تسمى بفراج، وفي رأسه قرن واحد أسود، إذا رأته الأسود وسباع الوحش والطير وكل دابة هربت عنه.

وفي هذا البحر جزيرة قلهان فيها أمَّةٌ مثل خلق الناس إلا أن رؤوسهم مثل رؤوس الدواب، يغوصون في البحر، ويخرجون ما قدروا عليه من دوابه فيأكلونها.

وفي هذا البحر أيضًا جزيرة الأخوين (٢) الساحرين اللذين يسمّى أحدهما شرهام، والثاني شرام، ويقال: إنّهما كانا بهذه الجزيرة يقطعان على المراكب التي تمر بهما ويهلكان جميع أهلها، ويأخذان أموالهم فمسخ الله بهما لظلمهما، وبقيا حجرين على ضفة البحر قائمين.

ثم عمرت هذه الجزيرة بالناس وهي تقابل مرسى أسفي (٣)، ويقال: إنَّ الصفا إذا عم البحر ظهر دخانها من البر، وكان أخبر بذلك أحمد بن عمر - المعروف برقم الأوز - وكان


(١) في نزهة المشتاق: واقعًا.
(٢) نزهة المشتاق ص ٢١٩.
(٣) انظر عن أسفي في تقويم البلدان ص ١٣٠ والروض المعطار ص ٥٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>