للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وشيعها إلى المنازل الحاوية لها، واستعلم ميقات الدعوة، ومَنْ يحضرها من أهل اليسار والمروة؛ فإنه لا يخلو فيهم من عارف به يراعي وقت مصيره إليها ليتبعه، ويكمن له ليصحبه، ويدخل معه، وإن خلا من ذلك اختلط بزمر الداخلين، فما هو إلا أن يتجاوز عتب الأبواب ويخرج من سلطان البوّابين والحجاب، حتى يحصل محصلًا قل ما حصله أحد قبله، فما انصرف منه الا ضلعًا (١) من الطعام نزيفًا (٢) من المدام.

وأمره أن ينصب الأرصاد على منازل المغنيات والمغنين، ومواطن الاناث والمخنثين، فإذا أتاه خبر بمجمع يضمهم أو مأدبة تعمهم، ضرب إليها أعقاب إبله، وأنضى حولها مطايا خيله، وحمل عليها حملة الحوت الملتقم، والثعبان الملتهم، والليث الهاصر (٣)، والعقاب الكاسر، وأمره أن يتجنّب مجامع العوام المقلين، ومحافل الرعاع المقترين، وأن لا ينقل إليها قدمًا ولا يفغر لمآكلها فَمًَا، ولا يلفى في عتب دورها كيسانا، ولا يعدّ الرّجُلَ منهم إنسانا. فإنها عصابة تجتمع لها ضيق النفوس والأحوال، وقلة الأحلام والأموال، وفي التطفيل عليها إجحاف بها يؤثم، وإزراء بمروءة المتطفل (يوصم)، والتجنب لها أجدى (٤) والازورار عنها أرجى. وأمره أن يحزر الخوان إذا وُضِع، والطعام إذا نُقِل، حتى يعرف بالحدس والتقريب، والبحث والتنقيب عدد الألوان في الكثرة والقلة، وافتتانها في الطيب واللذة، فيقدر لنفسه أن يشبع مع آخرها، وينتهي عند انتهائها، ولا يفوته النصيب من كثيرها وقليلها، ولا يُخْطِئُه الحظ من دقيقها وجليلها، ومتى أحس بقلة الطعام، وعجزه عن الأقوام، أمعن في أوّله إمعان الكيس في سعيه، الرشيد في أمْرِهِ، المالئ لبطنه من كلّ حار وبارد، فإنّه إذا فَعَلَ ذلك سلم من عواقب الأغمار الذين يكفون تظرفًا، ويقلون تأدبًا، ويظنون أن المادة تبلغهم إلى آخر أمرهم، وتنتهي إلى غاية شبعهم، فلا يلبثون أن يخجلوا خجلة الواثق، وينقلبوا بحسرة الخائب أعاذنا الله من مثل مقامهم، وعَصَمنا من شقاء جدودهم.

وأمره أن يروّض نفسه، ويغالط حسّه، ويضرب عن كثير مما يلحقه صفحًا، ويطوي دونه كشحًا، ويستحسن الصمم عن الفحشاء، ويغمض عن اللفظة الخشناء،


(١) في الأصل: فانصرف فيه إلا ضلغا، ولعل الصواب ما أثبت، والضلع: الثقل، لعله أراد فما انصرف إلا ثقيلًا من الطعام.
(٢) كذا في الأصل: ترتعًا.
(٣) في الأصل: الصاهر.
(٤) الأصل: أجلى.

<<  <  ج: ص:  >  >>