للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولكنه جَوَّالُ الذِّكْرِ في الكتاب، مشهور شُهرةَ [الشمس] (١) في يوم الصحو، تكلَّم وما تكلّف، وتقدَّم ومن قبله تخلَّف، جرى على سجيته في الطباع، ودعا عاصي البيان فأطاع، ولم يقف مع السجع يرسف في قيوده، ويكلّف فكره فوق قدرته. فجاء بالعاطل [و] بالحالي، وتقدَّم على أهل العَصرِ الخالي. وكان حلو الجني، عذب المشارع، لا يرنّق مورده، ولا يُطفأ موقده، وهو في الكتاب بمنزله امرئ القيس في الشعراء، أمام القوم وحامل لوائهم، وكان يحفظ القرآن الكريم، وينتزع منه الآيات، ويستشهد بها، وكانت بينه وبين الشريف الرضي (٢) صداقة مؤكدة، ورثاه لما مات برثاء اسمع الخافقين، وطلع في المغربين والمشرقين، وأوله:

أرأيت مِنْ حَمَلُوا على الأعواد

أرأيت كيف خبا ضياء النادي (٣)

فاسمع بهذا الرثاء ما أعظمه وأفخمه، ولا سيما من مثل هذا الشريف القائل، واسْتَدِلَّ به على ما لهذا الرجل من الفضائل، عود عبق أرَجُهُ وهو حطب، (ودي) (٤) رقى المنبر فضله وخطب، عَقَدَ ندُّهُ سماءً من دخان، وأدار مدامًا من دِنان، وكتب (دنه) (٥) عن الملوك البويهية، قرار بأولئك القساور، وزار النجوم وسلب الأهلة الأساور فضرب النحر بالاسداد، وكايل البحور بالأمداد، وأبدع عجبا، وأبْعَدَ فساكن عجما وجاوَرَ عربا، وتوفي سنة اربع وثمانين وثلاث مئة.

ومما له قوله:

له يَدٌ بَرَعَتْ في الجودِ بَنانُها، ونظم الدر بيانُها، فحَاتم (٦) كَامِنٌ في بَطنِ راحتها، وسحبان (٧) مُستَتِرٌ بنمارق فصاحتها، فلها يد في كل يد، ومنة في كل عنق،


= ٢/ ٢٠ ويتيمة الدهر ٢/ ٢٤٣ والفهرست ص ١٩٩ والوافي ٦/ ١٥٨.
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) الشريف الرضي محمد بن الحسين الموسوي، الشاعر المشهور المتوفى سنة ٤٠٦ هـ، وأخباره كثيرة جدًا وكتب عنه كثيرون.
(٣) ديوانه ١/ ٢٩٤ وفيه: أعلمت من حملوا … .
(٤) كذا وردت في الأصل، ولعلها: وذمي.
(٥) كذا رسمت في الأصل.
(٦) حاتم بن عبد الله بن الحشرج الطائي، الذي يضرب بجوده المثل.
(٧) سحبان بن زفر بن إياس الوائلي جاهلي، أدرك الإسلام فأسلم ولم يجتمع بالنبي وأقام في دمشق أيام معاوية، كان يضرب به المثل في البيان. انظر: خزانة الأدب للبغدادي ١/ ١٦٧ والإصابة (ترجمة ٣٦٥٨) شك في إدراكه الإسلام، والأعلام ٣/ ٧٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>