للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الصولي: لا اعرف أنه وزر لبني العباس وزير يشبهه في زهده، وعفته، وحفظ القرآن، وعلمه بمعانيه، وكان يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا أعلم أني خاطبت أحدًا أعلم منه بالشعر.

وكان يوقع بيده في جميع ما يحتاج إليه، ولما عزل في وزارته الثانية، وولي ابن الفرات، لم يقنع المحسن بن الفرات إلا بإخراجه عن بغداد، فتوجه إلى مكة وأقام به مهاجرًا.

وقال في نكبته: [من الطويل]

وَمَنْ يَكُ عَنِّي سائلًا لِشَمَاتَةٍ … لِمَا نَالَنِي أَوْ سَامِعًا غَيْرَ سَائِلِ

فقد أبرزت منّي الخُطوبُ بِزَجْرِهِ … صَبُورًا عَلى الأَهْوالِ تِلْكَ الزَّلازِلِ

إذا سُرَّ لَمْ يُبطيء وليس بنَكْبَةٍ … إذا نزلت بالخاشع المُتَصَابِلِ

ولما حبس كان يلبس ثوبه، ويتوضأ للصلاة، ويقوم ليخرج لصلاة الجمعة، فيمنعه الموكلون، فيرفع يده إلى السماء، ويقول: اللهم اشهد لي أنني أريد طاعتك، ويمنعني هؤلاء. وأشار/ ٨٩/ على المقتدر أن يقف العقار ببغداد على الحرمين والثغور، وعليها ثلاثة عشر ألف دينار في كل شهر، والضياع الموروثة بالسواد، وعليها نيف وثمانون ألف دينار، ففعل ذلك وأشهد على نفسه وأفراد ابده الموقوف ديوانًا، وسماه ديوان البر. وخدم السلطان سبعين سنة لم يُزل فيها نعمة عن أحد، وأحصي له أيام وزارته نيف وثلاثون ألف توقيع من الكلام السديد، ولم يقتل أحدًا، ولا سعى في دمه.

وكان على خاتمه مكتوب:

«لله صنع خفي … في كل أمر نخاف»

وعزى ولد القاضي أبي الحسن عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف، فلما أراد الانصراف قال: مصيبة قد وجب أجرُها خير من نعمة لا يؤتى شكرها.

وكان يُجري على خمسة وأربعين ألف إنسان خيرات تكفيهم (١)


(١) إلى هنا ينتهي المنقول عن الوافي.

<<  <  ج: ص:  >  >>