على ترائب الفتاة الرّود، ونثرت كالنجوم في صفحة الليل البهيم؟ قلت: بلى. قالتا: فأعرض عن رطانة الزط، وصفير البط، ولا تعج على طلل بائد، ودار قد أتى الله بنيانها من القواعد طاعنتين. فقلت: أسرفتما، إنّ كاتب الصحيفة لندرة الزمان، ولعالم نوع الإنسان، إلا أنه ربما كذب العنوان، ونحل ذلك الهذيان، فأعدت النظر، فإذا بك أبا محمد صاحبه. كتاب بني على الظلم العبقري، والبهتان الجلي، ومكابرة العيان، ومدافعة البرهان، قد طمس الله أنواره، وأظهر عواره، فجاء كالفلاة العوراء، لا ماء ولا شجر، والليلة الظلماء، لا نجم ولا قمر.
وفي فصل منها:
فاستقصرت من دفع إليَّ كتابك، فقلت: من لي بمثل غاشيتك من هذه العصابة، وبأشباه الملمين بك من تلك البابة، ونسيت أبا محمد حاشيتك وشيعتك، التي صرت رئيس مدارسهم، وكبير أحراسهم؛ تحدّثهم عما كان فيهم من العبر، وتخبرهم بما تعاقب عليهم من الصفا والكدر؛ فتارةً عن السامري والعجل، وتارةً عن القمل والنمل، وطورًا تبكيهم بحديث التيه، وطورًا تضحكهم بقوم جالوت وذويه؛ حتى كأن التوراة مصحفك، وبيت الحزان معتكفك، وأنا بمعزل، وأنت تُحدث؛ وتقول وتعجبت من حرصي، ونسيت نفسك أبا محمد، حين قطعت البيداء تبلك السماء، وترعدك الجرباء، في وقت يكمن فيه الحيوان، وأحقها بالكمون نوع الإنسان، لترث حيًا قائمًا على حاله مالكًا لما له، يدعو الله عليك، أن استطلت عمره، ونعيت إليه نفسه.
وفي فصل منها:
ومن ظريف ما في كتابك قولك: أقصدها وأناخها، ومن أين نفذ بصرك، حتى همزتها همز عامر بن الطفيل قرنه في سواد الليل، وما أظنك جعلتها إلا تميمة لتلك القطعة الكريمة، امتثالًا لقول القائل:[من الكامل]
ما كان أحوج ذا الكمال إلى … عَيْبٍ يُوَقِّيهِ مِنْ العَينِ
ومن لك بأن نصبر عليك، ونتأنّى بك، وهذا الجواب كما تراه ابن الوقت، ونتيجة الساعة، ونفثة من لا يخرج له الكلام عن طاعة، ومن تشغله عن التفاسير كلف السلطان، وتثقله أعباء الزمان، كاد ينتقش في ظهر كتابك قبل وصوله بيدي:[من الوافر]
فقُلْ فيما يجنُ عليهِ ليل … ويمضي في صناعته نَهارُ