للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سخابها، وبرز الورد من كمامه واهتز الروض لتغريد حمامه والأشجار قد نشرت شعورها، وهزت رؤوسها، والدنيا قد أبدت بشرها، وأماطت عبوسها؛ وكأن بها قد أطلعت من كل ثمر ضروبًا، وأبدت من جناها منظرًا عجيبًا: وإن كُنا لا نشارك في تلك إلا بالعيان لا باللسان، وبالطرف لا بالكف، وننالها بالاختلاس لا بالأضراس، والدهر قسم من أقسام اللذة، وصنف من أصناف الشهوة: [من الوافر]

شهدنا إذ رأيناهم فإنّا … على اللذات في الدنيا شُهُود

وحالي حال للسقام بها اتصال، وللصحة عنها انفصال، يعين على ذلك ضعف البنية، وفساد الأهوية، والتخليط في الأغذية وبعض صلاحها بل كله تعجيلك مطالعتي بحالك؛ لأسكن إليها إلى ما أوثره من ذلك، وشفّع لي بخبر فلان، واشرح [لي] أين بلغ من تكسبه، وحيث انتهى من تطببه، وكيف ظروفه وخزائنه، ولعوقاته ومعاجنه، وهل ينفذ طبه، وينفق بختجه وحبه؛ وصف لي ما يقوله على الماء، ويبديه من الأدواء، وأهد إليّ ما يُنمقه من المقال على الكبد والطحال، ويرقشه من الكلام في الفالج والزكام، ومعرفة الحلال والحرام، والفلج عند الجدل والخصام».

«وله من أخرى (١): خاطب بها أبا محمد بن حزم، قال ابن بسام:

أثبت منها بعض الفصول فرارًا من التطويل، وافتتحها ببيتي أبي نواس: [من الطويل]

ألا لا أرى مثل امترائي في رَسْمِ … توهمُهُ عيني ويرفضُهُ فَهمي

أنت صورة الأشياء بيني وبينَهُ … فظنّي كَلَا ظَنِّ وعلمِي كَلَا عِلْمِ

وقفت - كلاك الله - وأنت عين التمام، وعلم الأعلام على كتاب عنوانه باسمك أسمال، كأنه طلل بال: فكلّما هززته هوم، أو سألته استعجم: معنى كصدى الإنسان، ولفظ كمنهجات الأكفان؛ وأغراض لا ندب فيها بسهم مقرطس، وإظلام لا وضح فيه لصبح متنفس، ورطانة تمجها الأسماع، وتجتويها الطباع، فأقمتُ متلبدًا، وعدت على نفسي وقريحتي مترددًا، فقالتا: أفق أيُّها الإنسان، لست بالنبي سليمان. متى وعدناك أن نفهمك كلام الحكل وسرار النمل؟ ألم نسلك بك في شعاب الكلام فتغلغلت؟ ألم تسر في صحرائه فأوغلت؟ ألم تجرِ في ميدانه فسبقت؟ ألن تنر في ظلمائه فأشرقت؟ هل أحسست بنكول جنان، أو قصور لسان، فيما نظمت كالعقود،


(١) الذخيرة ١/ ١٦١ - ١٦٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>