حتى إذا ما الصُّبحُ لاحَ عموده … ولى بخاتم ربه وبراته
فقال أبو بكر: أيد الله القاضي، قد أقرَّ بالمبيت على الحال التي ذكرها، وادعى البراءة مما توجبه فعليه إقامة البينة، فقال ابن سريج: من مذهبي أن المقر إذا أقر إقرارًا، وناطه بصفة، كان إقراره موكولًا إلى صفته، فقال ابن داود: للشافعي في هذه المسألة قولان، فقال ابن سريج: فهذا القول الذي قلته اختياري الساعة.
وروي أيضًا عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم النحوي نفطويه: قال: دخلت على أبي بكر في مرضه الذي مات فيه، فقلت له: كيف تجدك، فقال: حب من تعلم أورثني ما ترى فقلت: ما منعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه، فقال: الاستمتاع على وجهين: أحدهما النظر المباح، والثاني اللذة المحظورة، فأما النظر المباح، فأورثني ما ترى وأما اللذة المحظورة، فإنه منعني منها ما حدثني به أبي، قال: حدثنا سويد بن سعيد، ثنا علي بن مسهر عن أبي يجيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال:«من عشق وكتم وعف وصبر، غفر الله له وأدخله الجنة» ثم أنشدنا لنفسه (١): [البسيط]
انظر إلى السحر يجري في لواحظه … وانظر إلى دعج في طرفه الساجي
وانظر إلى شعراتٍ فوق عارضه … كأنهن نمال دب في عاج
وأنشدنا لنفسه أيضًا (٢): [من الخفيف]
ما لهم أنكروا سوادًا بخدي هِ … ولا يُنكرون ورد الغصون
إن يكن عيب خدِّهِ بدَّدَ الشَّعْـ رَ … فعيبُ العُيونِ شَعْرُ الجُفون
فقلت له: نفيت القياس في الفقه وأثبته في الشعر، فقال: غلبة الهوى، وملكة النفوس دعوا إليه، قال: ومات في ليلته، أو في اليوم الثاني في رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين، وقيل: في شوال عن اثنتين وأربعين سنةً.
وقال أبو بكر في كتاب الزهرة عقيب هذا الحديث: ولو لم تكن عفة المتحابين عن الأدناس وتحاميها ما ينكر في عرف كافة الناس محرمًا في الشرائع، ولا مستقبحًا في الطبائع، لكان الواجب على كل واحد منهما تركه إبقاء على وده عند صاحبه، وإبقاء على ود صاحبه عنده.