للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بطبرستان، قال: كنت جالسًا عند أبي بكر محمد بن داود، فجاءته امرأة، فقالت له: ما تقول في رجل له زوجة لا هو ممسكها ولا هو مطلقها؟ ومعنى قولها: لا هو ممسكها أنه لا يقدر على نفقتها، فقال أبو بكر: اختلف في ذلك أهل العلم، فقال القائلون: تؤمر بالصبر والاحتساب، وتبعث على التطلب والاكتساب، وقال قائلون: يؤمر بالإنفاق وإلا يحمل على الطلاق، قال أبو العباس: فلم تفهم قوله، وأعادت فسألته، وقالت له: رجل له زوجة لا هو ممسكها، ولا هو مطلقها، فقال: يا هذه قد أجبتك عن مسألتك، وأرشدتك إلى طلبك، ولست بسلطان فأمضي، ولا قاض فأقضي، ولا زوج فأرضي. انصرفي رحمك الله. قال: فانصرفت المرأة، ولم تفهم جوابه.

وروى الخطيب (١) بسنده قال: كان أبو بكر بن داود، وأبو العباس بن سريج إذا حضرا مجلس القاضي أبي عمر محمد بن يوسف لم يجر بين اثنين فيما يتفاوضانه أحسن مما يجري بينهما، وكان ابن سريج كثيرًا ما يتقدم أبا بكر في الحضور إلى المجلس، فتقدمه أبو بكر يومًا، فسأله حدث من الشافعيين عن العود الموجب للكفارة في الظهار ما هو؟ فقال: إنه إعادة القول ثانيًا، وهو مذهبه، ومذهب داود، فطالبه بالدليل فشرع فيه، ودخل ابن سريج فاستشرحهم ما جرى فشرحوه، فقال ابن سريج لابن داود: أولًا يا أبا بكر أعزك الله هذا قول مَنْ من المسلمين تقدمكم فيه، فاستشاط أبو بكر من ذلك، وقال: أتقدر أن من اعتقدت أن قولهم إجماع في هذه المسألة إجماع عندي، أحسن أحوالهم أن أعده خلافًا، وهيهات أن يكونوا كذلك. فغضب ابن سريج وقال له: أنت يا أبا بكر بكتاب «الزهرة» أمهر منك في هذه الطريقة، فقال أبو بكر: وبكتاب الزهرة تعيرني؟! والله ما تحسن تستتم قراءته قراءة من يفهم، وإنه لمن أجل المناقب إذ كنت أقول فيه (٢): [من الطويل]

أكرر في روضِ المَحاسنِ مُقلتي … وأمنع نفسي أن تنال محرما

وينطق سري عن مترجم خاطري … فلولا اختلاسي رَدَّهُ لتكلما

رأيتُ الهوى دعوى مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ … فما إن أرى حبًّا صحيحًا مُسَلَّما

فقال له ابن سريج: أو علي تفخر بهذا القول وأنا الذي أقول: [من الكامل]

ومساهر بالغُنْجِ مِنْ لحَظَاتِهِ … قد بتُ أمنعه لذيذ سُباتِهِ

ضنًا بحسن حديثه وعتابهِ … وأكرر اللحظات في وجناتِهِ


(١) تاريخ بغداد ٥/ ٢٦١.
(٢) دوانه ٨٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>