للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[٦٣] أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي، الحنفي، أبو العباس (١)

قاضي قضاة الديار المصرية، شمس الدين، ممن مهد منصب القضاء لأجل حلوله، وأخليت أفئدة المدارس لحظ حموله، والتطم بحر العلم بين جنبيه، واضطرم فريد الذكاء بين غربيه، وعز مكانًا، وعد من خيراته شهب السماء سكانًا، وعلا قدرًا. شخصت الحدق إليه، وسما شمسًا فلم تتجاسر العيون عليه. كم نودي باسمه فحيعل داعي الفلاح، وعودي بحكمه فألقى الزمان السلاح، وذكر منه السروجي صاحب المقامات، ولكنها مقامات أهل الصلاح، ووقفت له في الهيأة على ما لم أظنه لغيره تهيا، ولا لسواه قسمت العلياء ممسوحةً بشبر الثريا، ورأيت غُبر رجال من أهل مصر أدركوه تعبق بذكره أفواههم، وتغيب في بحار شكره سوابح النجوم وهم وأشباههم.

مولده سنة تسع وثلاثين وستمائة. تفقه على أبي الطاهر الحلبي، وصدر الدين سليمان بن أبي العز، وقيل: إنه كان يتفقه أولًا على مذهب الإمام أحمد، وقرأ طرفًا من «المقنع» ثم خوطب في الاشتغال على مذهب أبي حنيفة، فشكا الفقر، وعدم كتاب يشتغل فيه، فدفع إليه كتاب البداية، فحفظها واجتهد في طلب العلم إلى أن ولي قضاء الديار المصرية، وصنف وشرح شرحًا كبيرًا للهداية، ولم يتممه، وكان له مشاركة تامة في علم التفسير والنحو، مع مكارم أخلاق، وطلاقة وجه، وبسط نفس، ومروءة تامة، ورياسة، وجلالة، وحسن معاشرة، صحب الفقراء، وكان مؤثرًا لهم، مكرمًا للغرباء، محبًا للعلم وأهله. يذب عن طائفته. ويحسن إليهم بجاهه وماله.

وروي أنه لما حج سأل الله في الملتزم حاجةً في نفسه لم يطلع عليها أحدًا من الناس، فجاءه شخص فقير بعد مدة، فخلا به، وقال: رأيت النبي في النوم وأمرني أن أجيء إليك، وأقول لك بإمارة ما سألت الله تعالى في الملتزم كيت وكيت، أعطني ما معك كله لأنفقه في مصالح ذكرها لي رسول الله ، فقال: هذه إمارة صحيحة، ثم أخرج له جميع ما كان عنده، وكان نحو مائة دينار وألف درهم، وقال: خذها، فوالله ما اطلع على هذا أحد إلى الآن، ولو كان عندي أكثر من ذلك لدفعته إليك.


(١) ترجمته في: الجواهر المضية ١/ ١٢٣، شذرات الذهب / ٦/ ٢٣، أعيان العصر ١/ ١٥٩، المنهل الصافي ٢٠١١، الدرر الكامنة ١/ ٩٦ - ٩٧، البداية والنهاية ١٤/ ٦٠، تالي كتاب وفيات الأعيان ٨، الطبقات السنية رقم ١٢٠، رفع الأصر ١ ٥٠، ذيول العبر ٥٣، النجوم الزاهرة ٩/ ٢١٢، تاج التراجم ١١ - ١٢، حسن المحاضرة ١/ ٤٦٨، كتائب أعلام الأخيار رقم ٥٠٩، مفتاح السعادة ٢/ ٢٦٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>