أحمد منه، وكان يظن أنه أخرجها، وأنه يعجز عن القيام بها، فلهذا طالبه، ولما اعتقله أمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شادان الجوهري، ففعل، وجعله كالخليفة له، وبقي مسجونًا مدة سنين. وكان يحدث في السجن من طاف فيه؛ لأن أصحاب الحديث شكوا إلى ابن طولون انقطاع سماع الحديث من بكار، وسألوه الإذن له في الحديث ففعل.
توفي قاضيًا يوم الخميس لست بقين من ذي الحجة سنة سبعين ومائتين، وقبره معروف باستجابة الدعاء.
ومنهم:
[٦٢] أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد. عرف بابن أبي العوام السعدي الحنفي (١)
قاضي مصر، وبها الإسماعيلية، لا يُحكم إلا بآرائها، ولا تزداد أضاليلها باللوم إلا من أغرابها، فقضى بالحق وعدل، ومضى على سننه، وما لواه الجدل، ولم يظلم في وجهه سواد تلك النحل المضلة، ولا شدت عليه تلك الشبه طرف الأدلة، ولا ربطت تلك البدع على ما ينافي الملة، وكذلك كان شأنهم في الدين لا يكرهون، وعلى الباطل لا ينيمون ولكنهم له ينبهون، لا يقلبون الصور، ولكنهم يشوهون، ولا يغلطون الحقائق، ولكنهم يشبهون، ولا يخبتون الخالص بغشهم، ولكنهم يموهون.
مولده بمصر سنة تسع وأربعين وثلاثمائة له بيت كلهم يتفقهون على رأي أبي حنيفة. وكان من صباه من أهل الصيانة طالبًا للحديث والفقه.
قال إسماعيل بن علي الحسيني في أخبار القضاة بمصر: حدثني أبو حفص الفرائضي: أنه دخل إلى مجلس القاضي أبي الطاهر هو وأبو يوسف بن يعقوب بن إسحاق فقال للحكمي الوراق: يا أبا حفص ترى هذين الحدثين سوف يكون لهما بمصر شأن، فما مضيت الأيام والليالي حتى ولي أبو العباس القضاء، وصار أبو يوسف شيخ الشيوخ، ولما استخلفه أبو الطاهر على الفرض، كان الخصوم يخرجون من عنده وهم يشكرون تأتيه ولطفه، وحصل له في قلوب الناس الموضع الجليل، ولم يعلم عليه إلا الخير والصيانة والديانة. فلما قتل مالك بن سعيد بقي الناس بلا قاض
(١) ترجمته في: الجواهر المضية ١ ٢٨٢، القضاة لابن الكندي ١٦٣، رفع الأصر ١/ ١٠١، حسن المحاضرة ٢ ١٤٨، المقفى الكبير ١/ ٦٠٣، أخبار مصر للمسبحي ١٨٠ - ١٨٢، الطبقات السنية ٢/ ٦٠، أخبار مصر لابن ميسر ٢٢ - ٣٠.