للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال أبو يعقوب الأزرق: لما تعمّق ورش في النحو وأحكمه، اتخذ لنفسه مقرًّا يسمى ورش.

وقال ورش: خرجت من مصر لأقرأ على نافع؛ فلما وصلت إلى المدينة، صرت إلى مسجد نافع، فإذا هو لا تطاق القراءة عليه من كثرتهم، وإنما يُقرئ ثلاثين.

فجلست خلف الحلقة، وقلت لإنسان: من أكبر الناس عند نافع؟، فقال لي: كبير الجعفريين، فقلت: كيف به؟ قال أجيء معك إلى منزله، وجئنا إلى منزله، فخرج شيخ، فقلت: أنا من مصر جئت لأقرأ على نافع، فلم أصل إليه، وأُخبرت أنك من أصدق الناس له، وأنا أريد أن تكون الوسيلة إليه، فقال: نعم وكرامة، وأخذ طيلسانه ومضى معنا إلى نافع فقال له الجعفري: هذا وسيلتي إليك، جاء من مصر ليس معه تجارة، ولا جاء يحجّ، إنما جاء للقراءة خاصة، فقال: ترى ما ألقى من أولاد المهاجرين والأنصار؟ فقال صديقه: تحتال له، فقال لي نافع: أيمكنك أن تبيت في المسجد، قلت: نعم، فبت في المسجد؛ فلما إن كان الفجر جاء نافع، فقال: ما فعل الغريب؟ فقلت: ها أنا رحمك الله، قال: أنت أولى بالقراءة. قال: وكنت مع حسن الصوت مدادًا به فاستفتحت فملأ صوتي مسجد رسول الله فقرأت ثلاثين آية، فأشار بيده أن أسكت، فسكت، فقام إليه شاب من الحلقة، فقال: يا معلم أعزّك الله، نحن معك، وهذا رجل غريب، وإنما رحل للقراءة عليك، وقد جعلت له عشرًا، وأقتصر على عشرين، فقال: نعم وكرامة، فقرأت عشرًا، فقام فتى آخر، فقال كقول صاحبه، فقرأت عشرًا، وقعدت حتى لم يبق له أحد ممن له قراءة. فقال لي: اقرأ، فأقرأني خمسين آية، فما زلت أقرأ خمسين آية في خمسين، حتى قرأت عليه قبل أن أخرج من المدينة ختمات.

وفي رواية قال ورش: فكانوا يهبون لي أسباقهم حتى كنت أقرأ عليه كل يوم سبعًا، وختمت في سبعة أيام، فلم أزل كذلك، حتى ختمت عليه أربع ختم في الشهر، وخرجت من المدينة.

توفي ورش بمصر سنة سبع وتسعين ومائة.

ومنهم:

[٦٣] عبد الله بن مالك بن عبد الله بن سيف أبو بكر التجيبي المصري (١)

شيخ الإقليم بالإقراء في زمانه، وفي استحقاق البداءة به على أقرانه، وطالت مدة


(١) ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٤/ ٤٤٠ رقم ٢٤٦، العبر ٢/ ١٣٤، معرفة القراء الكبار ١/ ٢٣١ - =

<<  <  ج: ص:  >  >>