ما تجلب إليهم الودع وتستفيد به فائدة جليلة، إنتهى كلام ابن أمير حاجب.
قال: وقد كان بلغني أول قدومي مصر وإقامتي بها حديث وصول هذا السلطان موسى حاجًا، ورأيت أهل مصر لهجين بذكر ما رآه من سعة إنفاقهم، فسألت الأمير أبا العباس أحمد بن الجاكي المهمندار ﵀ عليه - عنه فذكر ما كان عليه هذا السلطان من سعة الحال والمروءة والديانة؟.
وقال: لما خرجتُ لملقاه_ أعني من جهة السلطان الأعظم الملك الناصر_ أكرمني إكرامًا بليغًا وعاملني بأجمل الآداب، ولكنه كان لا يحدثني إلا بترجمان مع إجادة معرفته للتكلم باللسان العربي.
ثم إنه قدم للخزانة السلطانية جملًا كثيرة من المذهب المعدني الذي لم يصنع غير ذلك وحاولته أن يطلع للقلعة ويجتمع بالسلطان فأبى علي وامتنع، وقال: أنا جئتُ لأحج لا لشيء آخر وما أريد أخلط حجي بغيره، وشرع في الاحتجاج بهذا، وأنا أفهم أنه يرى الحضور نقصًا عليه لما يضطر إليه من تقبيل الأرض واليد، وبقيت أحاوله وهو يتعلل ويعتذر، والمراسم السلطانية تتقاضاني في إحضاره، فما زلت به حتى وافق، فلما حضر إلى حضرة السلطان قلنا له: قبل الأرض؟!، فتوقف وأبى إباءً ظاهرًا، وقال: كيف يجوز هذا؟ فأسر إليه رجل عاقل كان معه كلامًا لا نعلمه، فقال: أنا أسجد لله الذي خلقني وفطرني ثم سجد، وتقدّم إلى السلطان فقام له بعض القيام وأكرمه وأجلسه إلى جانبه وتحدثا حديثًا طويلًا.
ثم خرج السلطان موسى وبعث إليه السلطان بعدة من الخلع الكاملة له ولأصحابه: ولكل من حضر معه وخيلًا مسرّجة ملجمة، ولأعيان من معه، وكانت خلعته طرد وحش مقصب كثير بسنجاب مقندس مطرز بزركش على مقترح إسكندري، وكلوته زركش وكلاليب ذهب، وشاش مجرور رقم خليفتي، ومنطقة ذهب مرصعة، وسيف محلى ومنديل مذهب جزّ وأعلام وفرسين مسرجين ملجمين بمراكب ثقل محلاة وأجرى عليه الأتراك والإقامات الوافرة مدة مقامه، فلما أن أوان الحج بعث إليه دراهم كثيرة وجمال وهجن خاص كاملات الأكوار والعدد لمراكبه وأتباع لأصحابه ومن حضر معه، وأزواد جمة، وركّز له العليق في الطرق، ورسم لأمراء الركب بإكرامه واحترامه.
ثم لما عاد تلقيته وأنزلته واستمر على علوفاته وإنزاله وأرسل إلى السلطان متبركًا من هدايا الحجاز الشريف فقبله السلطان منه وبعث إليه بالخلع الكوامل له ولأصحابه والألطاف والتوابي من البز الإسكندري والأمتعة الفاخرة، ثم عاد إلى بلاده.
قال المهمندار: ولقد أفاض هذا الرجل بمصر فيض الإحسان لم يدع أميرًا مقربًا ولارب وظيفة سلطانية حتى وصله بجملة من الذهب، ولقد كسب أهل مصر عليه وعلى