للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم يضعها، وفي قائمة منتصبة وتلقيها بيده اليسرى فوق فخذه، واليد اليسرى مبسوطة الكف لتلقي مرفق اليمنى مبسوطة الكف مضمومة الأصابع بعضها إلى جانب بعض كالمشط يماس شحمة الأذن.

وأهل هذه المملكة يركبون بالسروج العربية، وهم في غالب أحوالهم كأنهم منهم، ولكنهم يبدون في الركوب بالرجل اليمنى خلاف الناس جميعًا.

ومن عاداتهم أن لا يدفن عندهم ميت إلا إذا كان ذا قدر وحشمة، وإلا فكلُّ من سوى هؤلاء ممن لاقدر له. والفقراء والغرباء فإنه يرمى رميًا في الفلاة مثل ما ترمى باقي الميتات.

وهي بلاد يسرع فيها فساد المدخورات وخصوصًا السمن فإنه ينتن ويجيف في يومين.

قلتُ: وليس هذا بغريب؛ لأن أغنامهم جلّالات تأكل القمامات والمزابل.

وبلادهم شديدة الحر، سريعة التحليل.

وملك هذه المملكة إذا قدم من سفر يحمل على رأسه الجتر راكب، وينشر على رأسه علم ويضرب قدامه الطبول والطباناير والبوقات بقرون لهم فيها صناعة محكمة ومن عاداته إذا عاد إليه أحد ممن ندبه في شغل أو مهم يسأله عن كل ما تم له من حال من حين مفارقته له إلى حين عوده مفصلًا. والشكاوى والمظالم تنتهي إلى هذا الملك فيفصلها بنفسه. وفي الغالب لايكتب شيئًا بل أمره بالقول غالبًا، وله قضاة وكتّاب ودواوين. هذا ما حدثني به الدكالي.

وحكى لي الأمير أبو الحسن علي بن أمير حاجب: أنه كان كثير الاجتماع بالسلطان موسى ملك هذه البلاد لما قدم مصر حاجًا، وكان هو نازلًا بالقرافة، وابن أمير حاجب والي مصر والقرافة إذ ذاك، واتحدثت بينهم الصحبة، وأن هذا السلطان موسى حدثه بكثير من أحواله وأحوال بلاده ومن يجاوره من أمم السودان.

فقل: ومما حدثني به: أن بلاده متسعة اتساعًا كبيرًا، وهي متصلة بالبحر المحيط، فتح بها بسيفه وجنده أربع وعشرين مدينة ذوات أعمال وقرى وضياع، وهي كثيرة الدواب من البقر والغنم والمعز والخيل والبغال وأنواع الطير الدواجن كالأوز والحمام والدجاج، وأن أهل بلاده عدد كثيره وجم غفير، وهو بالنسبة إلى من جاورهم من أمم السودان المتوغلين في الجنوب كالشامة البيضاء في البقرة السوداء، وفي مهادنته أهل منابت الذهب، وله عليهم القطيعة. قال، فسألته: كيف نبات الذهب؟ فقال: يوجد على نوعين. نوع في زمن الربيع عقب الأمطار ينبت في الصحراء، وله

<<  <  ج: ص:  >  >>