للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:
مسار الصفحة الحالية:

فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: فَأَيُّ قَطِيعَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَرَاهُ يَتَلَظَّى جُوعًا وَعَطَشًا وَيَتَأَذَّى غَايَةَ الْأَذَى بِالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَلَا يُطْعِمُهُ لُقْمَةً وَلَا يَسْقِيهِ جَرْعَةً وَلَا يَكْسُوهُ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَيَقِيهِ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَيُسْكِنُهُ تَحْتَ سَقْفٍ يُظِلُّهُ، هَذَا وَهُوَ أَخُوهُ ابْنُ أُمِّهِ وَأَبِيهِ، أَوْ عَمُّهُ صِنْوُ أَبِيهِ، أَوْ خَالَتُهُ الَّتِي هِيَ أُمُّهُ، إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ بَذْلُهُ لِلْأَجْنَبِيِّ الْبَعِيدِ بِأَنْ يُعَاوِضَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الذِّمَّةِ إِلَى أَنْ يُوسِرَ ثُمَّ يَسْتَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، هَذَا مَعَ كَوْنِهِ فِي غَايَةِ الْيَسَارِ وَالْجِدَةِ وَسَعَةِ الْأَمْوَالِ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ قَطِيعَةً، فَإِنَّا لَا نَدْرِي مَا هِيَ الْقَطِيعَةُ الْمُحَرَّمَةُ وَالصِّلَةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا، وَحَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى قَاطِعِهَا.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: فَمَا هَذِهِ الصِّلَةُ الْوَاجِبَةُ الَّتِي نَادَتْ عَلَيْهَا النُّصُوصُ وَبَالَغَتْ فِي إِيجَابِهَا وَذَمَّتْ قَاطِعَهَا؟ فَأَيُّ قَدْرٍ زَائِدٍ فِيهَا عَلَى حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ حَتَّى تَعْقِلَهُ الْقُلُوبُ وَتُخْبِرَ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَتَعْمَلَ بِهِ الْجَوَارِحُ؟ أَهُوَ السَّلَامُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَعِيَادَتُهُ إِذَا مَرِضَ، وَتَشْمِيتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَإِجَابَتُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَإِنَّكُمْ لَا تُوجِبُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا يَجِبُ نَظِيرُهُ لِلْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ؟ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الصِّلَةُ تَرْكَ ضَرْبِهِ وَسَبِّهِ وَأَذَاهُ وَالْإِزْرَاءِ بِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا حَقٌّ يَجِبُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، بَلْ لِلذِّمِّيِّ الْبَعِيدِ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَمَا خُصُوصِيَّةُ صِلَةِ الرَّحِمِ الْوَاجِبَةِ؟ وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ فُضَلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُ: أَعْيَانِي أَنْ أَعْرِفَ صِلَةَ الرَّحِمِ الْوَاجِبَةَ. وَلَمَّا أَوْرَدَ النَّاسُ هَذَا عَلَى أَصْحَابِ مالك وَقَالُوا لَهُمْ: مَا مَعْنَى صِلَةِ الرَّحِمِ عِنْدَكُمْ؟ صَنَّفَ بَعْضُهُمْ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ كِتَابًا كَبِيرًا، وَأَوْعَبَ فِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ وَالْمَوْقُوفَةِ، وَذَكَرَ جِنْسَ الصِّلَةِ وَأَنْوَاعَهَا وَأَقْسَامَهَا، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْ هَذَا الْإِلْزَامِ، فَإِنَّ الصِّلَةَ مَعْرُوفَةٌ يَعْرِفُهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَالْآثَارُ فِيهَا أَشْهَرُ مِنَ الْعِلْمِ،

<<  <  ج: ص:  >  >>