فيهما على الوجوب، كما هو الأصل، وقالوا: أما حديث: "صام عنه وليه " فهو خبر بمعنى الأمر، وتقديره: فليصُمْ عنه وليه.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن الأمر في هذه الأحاديث مصروف عن الوجوب لقرائن لما يلي، قال الحافظ ابن حجر ﵀:"وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادعوا الإجماع على ذلك"(١):
أولاً: تشبيه النبي ﷺ قضاء الصوم عن الميت بقضاء الدين عنه، وقضاء الدين عن الميت لا يجب على الوارث ما لم يخلف تركة يُقضى منها، فكذا قضاء الصوم (٢).
قال ابن قدامة ﵀ ما نصه:"إذا ثبت هذا، فإن الصوم ليس بواجب على الولي؛ لأن النبي ﷺ شبهه بالدين، ولا يجب على الولي قضاء دين الميت، وإنما يتعلق بتركته إن كانت له تركة، فإن لم يكن له تركة، فلا شيء على وارثه، لكن يستحب أن يقضى عنه، لتفريغ ذمته، وفك رهانه، كذلك هاهنا"(٣).
ثانياً: أن السائل سأل النبي ﷺ: هل يفعل ذلك أم لا؟ وجوابه يختلف باختلاف مقتضى سؤاله، فإن كان مقتضى السؤال عن الإباحة، فالأمر في جوابه يقتضي الإباحة، وإن كان السؤال عن الإجزاء، فأمره يقتضي الإجزاء، كقولهم: أنُصلي في مرابض الغنم؟ قال:"صلوا في مرابض الغنم".
وإن كان سؤالهم عن الوجوب، فأمره يقتضي الوجوب كقولهم: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال:" توضؤوا من لحوم الإبل "(٤).
(١) فتح الباري - كتاب الصوم/ باب من مات وعليه صوم ٤/ ٢٢٩. (٢) المغني ٤/ ٣٩٩، عمدة القاري ١١/ ٦٢، ٦٣، إعلام الأنام ص ٤٣١، أحكام الفدية ص ٣٥١. (٣) المغني، مرجع سابق، ٣/ ١٤٤. (٤) صحيح مسلم - كتاب الحيض/ باب الوضوء من لحوم الإبل (ح ٣٦٠).