الآخر، فما تناهتا عن قولهما (١)، قال فأتنا عليَّ فقلت: هنًا (٢) مثل الخشبة غير أني لم أكْنِ، فانطلقتا تُوَلوِلان (٣) وتقولان: لو كان هاهنا من أنصارنا (٤). قال: فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر، وهما هابطان من الجبل، فقال: ما لكما؟ قالت الصابئ بين الكعبة وأستارها، قال: فما قال لكما؟ قالتا: قال كلمة تملأ الفم. قال: فجاء رسول الله ﷺ وصاحبه فاستلما الحجر، وطافا بالبيت، ثم صلَّى، فأتيتُه حين قضى صلاتَه، فكنت أولَ من حيَّاه بتحية الإسلام، فقال: وعليك ورحمة الله وبركاته، ممن أنت؟ قلت: من غفار، فأهوى بيده إلى جبهته هكذا. قال: قلت في نفسي: كرِه أني انتميتُ إلى غفار، فذهبتُ آخذ بيده، فدفعني عنه صاحبه، - وكان أعلم به مني - فقال: متى كنت هاهنا؟ فقلت: هاهنا منذ ثلاثين من بين يوم وليلة، قال: فمن كان يُطْعِمُك؟ قلت: ما كان لي طعامٌ إلا ماءُ، زمزم، فسمِنْتُ حتى تكسَّرَتْ عُكَن بطني، وما وجدتُ على كبدي سخفة جوع. فقال رسول الله ﷺ: إنها مباركة، إنها طعامُ طُعْمٍ (٥). فقال أبو بكر: يا رسول الله، ائذَنْ لي في طعامه الليلة، قال: فافعل.
(١) قال النووي في شرح مسلم (٢/ ٢٩٦): "أي انتهتا عن قولهما". (٢) كذا في ص، وفي مسلم هَنٌ (وجدته بخط شيخنا الأعظمي). (٣) الولولة: الدعاء بالويل. (شرح النووي على صحيح مسلم: ٢/ ٢٩٦). (٤) وفي مسلم "أنفارنا"، قال النووي: "الأنفار جمع نفر أو نفير وهو الذي ينفر عند الاستغاثة، ورواه بعضهم أنصارنا" (٢/ ٢٩٦). (مكتوب بخط شيخنا الأعظمي في هامش الأصل). (٥) أي: تُشْبعُ شاربَها كما يشبعه الطعام (قاله النووي في شرح مسلم: ٢/ ٢٩٦).