قال: فانطلقت، فقدمتُ مكة، فاستضْعَفْتُ رجلًا منهم، فقلت: أين هذا الذي يدعونه (١) الصابئ؟ فأشار إليَّ فقال: الصابئَ، قال: فمال عليَّ أهلُ الوادي بكل مَدَرَة وعظم، فخررتُ مغشيًّا عليَّ، فارتفعت حين ارتفعت كأني نُصُبٌ أحمر (٢)، فأتيتُ زمزمَ، فشرِبتُ من مائها، وغسلتُ عني الدماء، فلبثتُ بها يا ابن أخي ثلاثين من بين يوم وليلة، ما لي طعامٌ إلا ماءُ زمزم، فسمِنْتُ حتى تكسَّرَتْ عُكَنُ (٣) بطني، وما وجدتُ على كبِدي سخفة جوع (٤)، قال فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان (٥) إذ ضرب الله على أسمِخَتِهم (٦)، فما يطوف بالبيت أحد منهم غير امرأتين، قال: فأتنا عليَّ وهما تدعوان إسافًا ونائلة، قال: قلت أنْكِحا أحدَهما
= وتجهموا له - وقال عفان: شئفوا له، وقال: بهز: سبقوا له، وقال أبو النضر شفوا له". وشنُع الأمرُ أو الشيء شناعة: قبح (لسان، مادة: شنع). وشنفوا له: أي أبغضوه (نهاية، مادة: شنف). وتجهَّموا له: أي اسقبلوه بوجوه كريهة (لينظر المعجم الوسيط، مادة: جهم). (١) كذا في الأصل، وفي الطبقات: "تدعون"، وفي مسند أحمد وصحيح مسلم: "تدعونه". (٢) كذا في مسلم، وفي ص "أجمة" خطأ (كتبه شيخنا الأعظمي ﵀. قال النووي في شرح مسلم (٢/ ٢٩٦): "يعني من كثرة الدماء التي سالت مني بضر بهم، والنُّصُب: الصنم والحجر كانت الجاهلية تنصبه وتذبح عنده فيحمرُّ بالدم". (٣) جمع عُكْنَة، والعُكنة: ما انطوى وتثنَّى من لحم البطن سِمَنًا (قاموس، مادة: العكنة). (٤) سَخْفة الجوع: رقة الجوع وضعفه وهزاله. (قاله النووي في شرح مسلم: ٢/ ٢٩٦). (٥) إضْحِيان: مضيئة (شرح النووي على مسلم). (٦) جمع سماخ، وهو وصماخ واحد (وجدته بخط شيخنا الأعظمي). قلت: قال النووي (٢/ ٢٩٦): "وهو الخرق الذي في الأذن يفضي إلى الرأس، يقال: صماخ بالصاد، وسماخ بالسين، والصاد أفصح وأشهر. والمراد بأسمختهم هنا: آذانهم، أي: ناموا".