للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

غيره؛ ولهذا تبرأ من جميع معبوداتهم واستثنى خالقه وإلهه الذي فطره، وهذا إذا اعتبرنا الاستثناء متصلاً.

أما إن قلنا الاستثناء منقطع فذلك يدل على أنهم لم يكونوا يعبدون الله فتبرأ من جميع معبوداتهم، ثم قال: إلا الذي فطرني؛ يعني: بل أعبد الذي فطرني، فعلامة الاستثناء المنقطع أن ترفع (إلا) وتضع مكانها (بل).

والتوجيه الأول أولي وأرجح؛ فإن الأمم السابقة كانت تعبد الله لكنها تشرك معه غيره.

معنى فطرني؛ أي: ابتدأ خلقي فمعنى ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] أي مبتدئ خلقهن. يقول ابن عباس : (كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا فَاطِرُ السَّمَوَاتِ حَتَّى أتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فَطَرْتُهَا، أي ابْتَدَأْتُهَا) (١).

فقول إبراهيم ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ من أقوى دلائل التوحيد؛ لأنه يدل على أن الذي ابتدأ الخلق وأوجد مادته من العدم هو الحقيق بالعبادة، وبمثل ذا قال مؤمن القرية حينما جاء إلى قومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٠ - ٢٢]، تجد أن كلام أهل الإيمان متشابه، وإلا فلا علاقة زمنية ولا جغرافية بين إبراهيم ومؤمن القرية ، لكن الإيمان واحد فيثمر ثمرات واحدة فقال ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، وفي الحديث القدسي قال الله ﷿: (يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِى أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ


(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٢١٢). وينظر: تفسير ابن أبي حاتم- ط. مكتبة نزار الباز- (١٠/ ٣١٧٠)، تفسير ابن كثير ت سلامة (٦/ ٥٣٢).

<<  <   >  >>