للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فإن قيل: نحمله على الاستحباب بدليل قوله : «لا ضرر ولا إضرار» (١)، وفي نقل حقه إلى [ذمة] (٢) آخر بغير رضاه ضررٌ؛ لأنها ربما لم تكافئ ذمته.

قلنا: الأمر المطلق في عرف الفقهاء بإجماعهم يدل على الوجوب، فإن منع مانع فالمناظرة معهم، وإن أردنا أن ندل على تلك المسألة، فالقول فيه سهل؛ فإنا لا نعني بالواجب إلا ما يعصي تاركه، أو ما يلام تاركه شرعاً، ولا شك في أن الأمر مقتضٍ للفعل، وأن الإقدام على المأمور امتثال، وإن لم يفعل المأمور صحَّ أن يقال: إنه غير ممتثل لأمر الشرع؛ فالآن من لم يمتثل أمر الشرع ثم يعلم أنه ملوم شرعاً/ أو أنه متعرض لخطر عقاب، فهذا نعلم من اعتقاد الأولين، فإنهم كانوا يرون التاركين للأوامر المطلقة ملومين، ومتعرضين للخطر إلا إذا اقترن بالأمر قرينة تدل على جواز الترك، فأما عند الانفكاك عن القرينة فقد أطبق الصحابة على ما ذكرناه، على أن عندكم لا يستحب له أن يحتال، ولا يصح حملكم له على ذلك، فإنا نشترط أن يكون مليّاً على ما ذكرنا، فلا يستضر.

والفقه في المسألة: أن الذي له في ذمة المحال عليه ماله، فلم يعين في التوفية منه رضا الغريم كسائر أمواله؛ وهذا لأن مقصود من له الدين استيفاؤه، ولا فرق بين أن يوفيه بنفسه، أو بوكيله، فالمحال عليه في الحقيقة كالوكيل في التوفية، ولهذا لا نعتبر [رضاه] (٣) نحن، ومالك، والشافعي (٤)، كما لا يعتبر رضا الوكيل، والدليل على أن الذي في ذمة المحال عليه ماله أن يلزمه زكاته، ولا يجب على من هو عليه زكاته، ويلزمه به الحج، والكفارة، وصدقة الفطر، ونفقة الأقارب، وتحمل العقل، وغير ذلك.


(١) سبق تخريجه.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (ذم)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (رضا)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٤) ينظر للمالكيّة: مواهب الجليل ٥/ ٩١، حاشية الدسوقي ٣/ ٣٢٥. وللشافعيّة: الإقناع للماوردي ص ١٠٧، التنبيه ص ٦٦. وللحنابلة: الهداية ١/ ١٥٤، كشاف القناع ٣/ ٣٨٦.

<<  <   >  >>