و ـ أيضاً ـ فإن أبا حنيفة والشافعي قد قالا جميعاً: إن السيد لا يلزمه إخراج صدقة الفطر عن عبده المكاتب، ولا يلزم المكاتب أن يخرج عن نفسه (١).
وهذا مخالفٌ للأصول؛ لأننا ما رأينا شخصاً من أهل الطهرة له مال لا تجب صدقة الفطر لا عنه ولا عليه، ولا يلزم عليه الفقير؛ لأنه لا مال له، ولا الكافر؛ لأنه ليس من أهل الطهرة، فلا تلزم عليه الزكاة؛ لأننا ما رأينا مالاً لا يزكَّى، لأنا نقول: مال الكافر لا يزكَّى، وكذلك الصبيّ، والمجنون عند أبي حنيفة (٢).
ولأن أبا حنيفة قد قال بأن العُشر يجب في أرض المكاتب (٣)، وإن كان زكاة يجب إن تجب صدقة الفطر في ماله/ وإن كانت تسمى زكاة.
ولأن صدقة الفطر حق يجب في الذمة يختص المال، فجاز أن تثبت في ذمة المكاتب، دليله أروش الجنايات، والديون.
ولأن عقد الكتابة عقد يمنع من أخذ أرش الجناية إليه، فلا يمنع من إيجاب صدقة الفطر على من حصل أرش جنايته إليه، دليله إذا أعتقه.
ولأن المكاتب في حكم ملك اليمين، كما أن المطلقة البائن في حكم النكاح ما دامت في العدة، ثم ثبت أن المعتدة من الطلاق البائن فطرتها على نفسها دون زوجها، كذلك المكاتب فطرته على نفسه دون سيده، وهذا صحيح؛ لأن قبل الطلاق كانت نفقة الزوجة على الزوج كما أن قبل الكتابة كانت نفقة العبد على سيده وبعد الكتابة صارت على نفسه، والمكاتبة في حكم الملك، بمعنى أنه لو عجز نفسه عاد عبداً قِنّاً (٤)، ولو تزوّج المطلقة في العدة عادت إلى نكاحه، وهذا يختص الشافعي.
(١) تقدّم توثيق ذلك في صدر المسألة. (٢) ينظر: الأصل ٢/ ٦٨، حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٥٨. (٣) ينظر: الأصل ٢/ ١٢٠، المبسوط ٣/ ٤. (٤) العبد القن: الذي ملك هو وأبواه، وقيل: الذي كان أبوه مملوكاً لمواليه، وقيل: الذي ولد عندك ولا يستطيع أن يخرج عنك. [ينظر: تهذيب اللغة ٨/ ٢٣٥، الصحاح ٦/ ٢١٨٤، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ١٣٤].