له ذلك بأن ما جرى له كان جزاء وفاقا لأفعاله الشنيعة؛ فقد جاوز هذا الأمير حده في بناء هذه الدار، ومد يده إلى أموال الناس وأراضيهم يغتصبها، حتى صح فيه قول القائل: الحجر المغصوب في البناء أساس الخراب. فكانت هذه الدار سبب هلاكه (١)!
ولم يكتف بهذا، بل إن هذا الأمير واغل في خيانته، فهي تعود إلى أيام ولايته لبيروت زمن السلطان صلاح الدين، فقد كان يأخذ مراكب الصليبيين، وفيها أموال عظيمة، ولا يطلع السلطان على شيء منها، ثم إنه سلم بيروت للصليبيين سنة ٥٩٣ هـ/ ١١٩٧ م، ومن ثم تمزقت أمواله، وتغيرت أحواله، وخربت دياره، ودرست آثاره (٢).
-٢ -
صلته القوية هذه مع الملك المعظم عيسى كانت وراء تحوله من المذهب الحنبلي إلى المذهب الحنفي في الفقه، مجاراة لهذا الصديق المولع بفقه ذلك المذهب (٣)، بل المتعصب له (٤).
فالمعظم عيسى انفرد من بين سائر ملوك بني أيوب، وكلهم شافعية، بالانتماء إلى مذهب أبي حنيفة (٥)، وشيخه فيه شيخ الحنفية في الشام الإمام جمال الدين محمود بن أحمد الحصيري، وكان يحترمه ويكرمه، ومما قرأ عليه كتاب «الجامع الكبير» للإمام محمد بن الحسن الشيباني (٦). ويقال: إن أباه العادل لامه في ذلك، فأجاب أباه على سبيل المداعبة: «أما ترضون أن
(١) مرآة الزمان (٦/ ٢٠ - ٧). (٢) مرآة الزمان (٢١/ ٣٨٥، ٥٢/ ٢٢). (٣) ذيل مرآة الزمان (١/ ٤١). (٤) ينظر صور من تعصبه في: «مفرج الكروب» (٤/ ٢١١). (٥) مفرج الكروب (٤/ ٢١١). (٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٩). ثم ولاه تدريس المدرسة النورية سنة ٦١١ هـ/ ١٢١٤ م. ينظر: «المذيل على الروضتين» (٢/ ٤٦)، و «سير أعلام النبلاء» (٢٣/ ٥٤).