ثم تبسم الشيخ أبو عمر، وقال:«أرجو أن يكون لجامع الجبل»؛ يعني به: جامع الحنابلة الذي بناه (١).
ويسوق لنا سبط ابن الجوزي طرفا مما كان يدور بينهما من أحاديث، فلربما سأله ذات يوم عن سبب تسمية الجبل بالصالحية، فيجيبه أبو عمر بحياء وتواضع:«هاجرنا من بلادنا، فنزلنا مسجد أبي صالح بباب شرقي، فأقمنا به مدة، ثم انتقلنا إلى الجبل، فقال الناس: الصالحية الصالحية. نسبونا إلى مسجد أبي صالح، لا أنا صالحون. ولم يكن بالجبل عمارة إلا دير الحوراني، وأماكن يسيرة»(٢).
ومما حكاه له الشيخ أبو عمر عن السلطان نور الدين، قال:«كان نور الدين يزور والدي الشيخ أحمد في المدرسة الصغيرة التي على نهر يزيد المجاورة للدير، فجاء يوما لزيارة والدي، وكان في سقف المسجد خشبة مكسورة، فقال له بعض الجماعة: يا نور الدين، لو كشفت السقف وجددته. فنظر إلى الخشبة وسكت. فلما كان من الغد جاء معماره ومعه خشبة صحيحة، فزرقها موضع المكسورة ومضى، فعجب الجماعة. فلما جاء إلى الزيارة، قال له بعض الحاضرين: يا نور الدين، فاكرتنا في كشف السقف. فقال: لا والله، وإنما هذا الشيخ أحمد رجل صالح، وإنما أزوره لأنتفع به، وما أردت أن أزخرف له المسجد، وأنقض ما هو صحيح، وهذه الخشبة يحصل بها المقصود، فدعوني مع حسن ظني فيه، فلعل الله ينفعني به»(٣).
ومما تعلمه سبط ابن الجوزي من أبي عمر دعاء السنة، إذ قال له ذات يوم: «ما زال مشايخنا يواظبون على هذا الدعاء في أول كل سنة وآخرها، وما فاتني طول عمري، وأما أول السنة فإنك تقول: اللهم أنت الأبدي القديم، وهذه سنة جديدة، أسألك فيها العصمة من الشيطان