ومع أن حب التاريخ والاشتغال به جمع بينهما، فقد فرقت بينهما المشارب، فلم يتعارفا. وبينما اكتفى أبو شامة في عزلته - وهو العالم بالقراءات والفقه - بالانكباب على التاريخ جمعا وتدوينا ومشاهدة، ألقى سبط ابن الجوزي نفسه في عبابه، مشاركا بأحداثه، مصاحبا لملوك عصره.
فهما حقا شخصيتان متباينتان، تمثلان منهجين مختلفين في رؤية التاريخ وتدوينه:
أبو شامة ذلك المؤرخ العالم المجتنب للسلطان، والفاضح لفساد عصره ومفسديه، فهو يدون التاريخ من موقف المصلح، ويسعى جاهدا أن يتثبت مما يكتب، مؤملا أن يساعد في التغيير نحو الأفضل.
وسبط ابن الجوزي ذلك المؤرخ الواعظ، المخالط للسلاطين، والمغتبط بصحبتهم على إنكاره لبعض أفعالهم، فهو أخباري يدون التاريخ للتاريخ فحسب، وككثير من الوعاظ تعوزه الدقة أحيانا فيما يورده، مع ولعه بالمبالغة والغرائب.
فمن دواعي الإنصاف للبحث العلمي أن نجلي صورة سبط ابن الجوزي، وننظر إلى عصره بعينيه، كما جلونا صورة أبي شامة من قبل، حتى تكتمل النظرتان، وهو أمر يستحق منا عناء البحث والاستقصاء، وأملي أن يستحق القراءة أيضا.
وختاما: الله تعالى أسأل أن يعصم قلمي من الخطأ والخطل، وفهمي من الزيغ والزلل، إنه أكرم مسؤول، وأعظم مأمول ﷺ.
دمشق في ٢٠ المحرم الحرام ١٤٣٨ هـ / ٢١ تشرين الأول ٢٠١٦ م