للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وانتابني يومذاك إحساس مؤلم واخز حقا، فالمقدمة هي أول ما يطالعه القارئ من الكتاب، وهي صاحبة الانطباع الأول عنه، إن حسنا وإن شيئا. وتلك المقدمة جاءت باضطرابها وأوهامها تسعى بين يدي القارئ، وتلقف تلك الجهود الكبيرة التي بذلت في تحقيقه. ووجدتني أفكر من جديد بالملاحظات التي أودعتها درج أوراقي وكدت أنساها؛ فمن حق القارئ علي أن أنشرها بين يديه، ولا سيما أنني أحد المشاركين بتحقيق الكتاب.

ثم إن لسبط ابن الجوزي علي حقا لا بد أن أؤديه، ولئن حالت حوائل دون كتابتي عنه فيما سلف، إن أمورا عديدة تدفعني إليها الآن؛ فقد صحبته سنين مع كلماته، باح لي فيها ببعض خفايا حياته، كان قد طواها بين سطور كتابه، فرأيتني كالمرغم على البوح بها للقارئ، وهل التاريخ إلا بوح الإنسان للإنسان على اختلاف الأزمنة والأعصار؟

ومن ثم، فإن جل اعتمادي - فيما أسوق من أخباره على ما أورده منثورا في تضاعيف كتابه، كلما عنت له مناسبة تدعوه إلى ذكرها. وأخشى ما أخشاه أن يكون قطب الدين اليونيني قد زهد في بعضها، فأسقطها في اختصاره.

وما أغراني بالكتابة عنه كذلك: أن من سبقني بالترجمة له وذلك في مقدمات تحقيقهم لبعض كتبه، ومنهم علماء أجلاء قد وقعوا في أوهام وأغاليط؛ فاختزلوا بعض وقائعها، ووضعوها في غير مواضعها، ولم يقفوا على بعضها الآخر، منساقين من ثم إلى تحليلات تفتقر إلى الدقة العلمية والاستنباط السليم. وربما وقعوا فيما وقعوا فيه لافتقارهم إلى كتابه «المرآة» تاما بين أيديهم، فغابت بذلك معالم أساسية من سيرته. ولم ألتزم بالتنبيه على أوهامهم، وهي غير قليلة، تاركا أمر التهدي إليها لمن أراد من الباحثين والقراء الراغبين.

ثم إن سبط ابن الجوزي عاش هو والمؤرخ أبو شامة في عصر واحد، وفي مدينة واحدة؛ هي مدينتي الحبيبة دمشق.

<<  <   >  >>