للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عذر، ويقوم الليل من صغره، وما كان يفطر إلا في يوم عيد، ويحافظ على الصلوات الخمس في الجماعات، ويخرج من ثلث الليل الأخير إلى المسجد في الظلمة، فيصلي إلى الفجر، ويقرأ في كل يوم سبعا من القرآن بين الظهر والعصر، ويقرأ بعد العشاء الآخرة آيات الحرس ويس والواقعة وتبارك و ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين. وإذا ارتفعت الشمس لفن الناس القرآن إلى وقت الضحى، ثم يقوم فيصلي الضحى ثماني ركعات، ويقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ ألف مرة.

ويزور المقابر بعد العصر في كل جمعة، ويصعد يوم الإثنين والخميس إلى مغارة الدم ماشيا بالقبقاب، فيصلي فيها ما بين الظهر والعصر. وإذا نزل جمع الشيخ من الجبل، وربطه بحبل، وحمله إلى بيوت الأرامل واليتامى. ويحمل في الليل إليهم الدراهم والدقيق ولا يعرفونه. ولا ينام إلا على طهارة، ومتى فتح له بشيء من الدنيا آثر به أقاربه وغيرهم. ويتصدق بثيابه، وربما خرج الشتاء وعلى جسده جبة بغير ثوب. ويبقى مدة طويلة بغير سراويل، وعمامته قطعة من بطانة، فإن احتاج أحد إلى خرقة أو مات صغير يحتاج إلى كفن، قطع له منها قطعة.

وكان ينام على الحصير، ويأكل خبز الشعير، وثوبه خام إلى أنصاف ساقيه. وما نهر أحدا، ولا أوجع قلب أحد، وكان يقول: أنا زاهد، ولكن في الحرام» (١).

وما كان يرد أحدا في شفاعة إلى من كان، ولجلالة منزلته لم تكن ترد شفاعته. وقد حضره مرة سبط ابن الجوزي في بدايات تعرفه إليه، وهو يكتب ورقة إلى الملك المعظم عيسى بن العادل، فكتب فيها: إلى الولد الملك المعظم. فقال له: كيف تكتب هذا والملك المعظم على الحقيقة هو الله تعالى! فتبسم أبو عمر، ورمى له الورقة، وقال له: تأملها؛ وإذا به


(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٦ - ١٧٧)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢١٤ - ٢١٥).

<<  <   >  >>