وقد راقته صحبة شيخ المقادسة وكبيرهم أبي عمر محمد بن أحمد ابن قدامة، وأخيه الموفق عبد الله، ونسيبهما العماد إبراهيم (٢).
وكان أبو عمر وقتذاك في الثانية والسبعين من عمره، صبيح الوجه، كث اللحية، نحيفا، أبيض أزرق العينين (٣). وكان قد حضر فيما مضى غزوات صلاح الدين يوسف بن أيوب ضد الصليبيين، هو وأخوه الموفق، وشهدا معركة حطين، وفتح بيت المقدس (٤)، ثم آثر أبو عمر الاشتغال بالعبادة عن الرواية (٥).
في تلك الأيام كان منهمكا في إتمام بناء جامع الحنابلة بجبل قاسيون الذي شرع فيه قبل سنتين. وقد أعانه عليه من ماله أبو داود محاسن، وهو رجل فامي من قاسيون (٦)؛ يبيع الفواكه المجففة (٧)، فوضع أساسه، وأنفق عليه ما كان يملكه حتى بلغ قامة. ثم بلغ مظفر الدين بن زين الدين - صاحب إربل - تعذر إكماله، فبعث إلى أبي عمر مالا فتممه، ووقف عليه وقفا (٨).
وأعجب سبط ابن الجوزي بحال أبي عمر ومقاله أيما إعجاب، فوصفه لنا فيما بعد أبدع وصف، متتبعا حركاته وسكناته على مدار أيامه، فقال:
«كان معتدل القامة، حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال مبتسما، نحيل الجسم من كثرة الصيام والقيام. وكان يصوم الدهر إلا من
(١) ينظر: (ص ٢٥ - ٢٦) من هذا الكتاب. (٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٦). (٣) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٩). (٤) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٧)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢١٥)، وأورد أبو شامة كتاب أخيه الموفق عبد الله في وصف ما شاهده في معركة حطين في «كتاب الروضتين» (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٨). (٥) المذيل على الروضتين (١/ ٢١٤). (٦) مرآة الزمان (٢٢/ ١٢٥). (٧) اللباب (٢/ ٤١٠). (٨) مرآة الزمان (٢٢/ ١٢٥)، والمذيل على الروضتين (١/ ١١٧).