ولا أنفي عن هذا الخبر ما فيه من مبالغة قد تروق لسبط ابن الجوزي، وهو الواعظ، ولكن ربما غاب عن الذهبي أنه ناقل للخبر عمن حكاه عنه، فالعهدة عليه، لا على أبي المظفر، والله أعلم.
ثم إن مظفر الدين، لكثرة نفقاته في أبواب البر، قد تغري المتحدث عنه بالمبالغة في وصفها، حتى إن ابن خلكان، وهو من إربل، قال فيه:«لقد كان له من فعل الخيرات غرائب لم يسمع أن أحدا فعل في ذلك ما فعله، لم يكن في الدنيا شيء أحب إليه من الصدقة»، ثم يسترسل في ذكر صدقاته وأنواع بره، ويختم ذلك بقوله:«ومع الاعتراف بجميله، فلم أذكر عنه شيئا على سبيل المبالغة، بل كل ما ذكرته عن مشاهدة وعيان»(١).
وثمة مثال آخر يسوقه الذهبي لمجازفاته كذلك، وهو قوله في حادثة غرق بغداد سنة ٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م:«وفيها زادت دجلة زيادة عظيمة .. وانهدمت بغداد بأسرها والمحال، ووصل الماء إلى رأس السور، وبقي مقدار إصبعين ويطفح عليه، وأيقن الناس بالهلاك، ودام سبع ليال وثمانية أيام حسوما، ثم نقص الماء، وبقيت بغداد من الجانبين تلولا لا أثر لها»(٢).
والمبالغة في إيراد هذا الخبر لا تخفى، فينقله عنه الذهبي، ويصدره كذلك بقوله:«قال سبط ابن الجوزي بقلة ورع: فانهدمت بغداد بأسرها … »(٣). ويعقب عليه في «تاريخ الإسلام» بقوله: «هذا من خسف أبي المظفر، فهو مجازف»(٤).
ومن ثم يخلص الذهبي إلى رأي فيه جازم، فيقول:«قد بلوت على أبي المظفر المجازفة وقلة الورع فيما يؤرخه، والله الموعد»(٥). ولئن سلم