ويلتقي في بغداد ثقات مشايخها، ويتفاوضون في أخبار الخليفة المستنصر بالله؛ والد الخليفة الحالي المستعصم بالله، ولم يكن مر على وفاته سوى أربع سنوات. وكان المستنصر بالله جوادا سمحا، عادلا، قريبا من الناس، رحيم القلب. وقد بنى في بغداد فيما بنى المدرسة المستنصرية على الجانب الشرقي لدجلة، ولم يكن عنده تعصب على مذهب معين، فوقفها على المذاهب الأربعة، ووقف عليها الأوقاف الكثيرة (٢).
ومما ذكروه له من أحواله الجليلة:
أنه كان يزور الشيخ عبد العزيز الناسخ بالحريم الطاهري، ويغشاه كثيرا، فقال له يوما: أنا لا أثاب على ما أفعله. فقال له عبد العزيز: الله الله يا مولانا، إذا لم تثاب (٣) أنت من يثاب! فقال: لأن المال الذي أنفقه في أبواب البر ما له عندي قدر، بل مثل التراب، والثواب إنما يكون على قدر المشقة. وذكروا له أن الخليفة الناصر لدين الله كان قد بنى عنده في الدار بركة للمال، فكان يقول: ترى أعيش حتى أملأها ذهبا؟ فلما ولي المستنصر وقف عليها، وقال: ترى أعيش حتى أفرغها (٤)؟
ومن غرائب ما حكوه له: أن المستنصر بالله ركب يوما للصيد في رمضان، فاجتاز بين الحربية ودار القز - محلتين بالجانب الغربي من بغداد - فرأى شيخا كبيرا، معه قدح فيه طبيخ قد أخذه من محلة العتابيين، وهو يريد أن يدخل الحربية - وكان في كل محلة دار مضيف في رمضان - فقال له المستنصر يا شيخ، ممن أنت؟ قال: من الحربية. قال: أما عندكم دار مضيف؟ قال: بلى. قال: فلم تأخذ من الموضعين؟ فبكى الشيخ، وقال:
(١) مرآة الزمان (١٨/ ٢٤٩)، والأبيات في «ديوان الشريف الرضي» (١/ ٢٤٩). (٢) وما زالت برغم الزمن والمحن قائمة حتى الآن ببغداد. (٣) كذا في الأصل. (٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٧٦).