وفي القاهرة يعاود صحبة ملكها الصالح أيوب، وكثيرا ما كان يبوح له الصالح بذكرياته عما جرى له في حياته، ولا سيما سجنه بالكرك. وقد حدثه ذات يوم من سنة ٦٣٩ هـ/ ١٢٤١ م عن معاناته ليلة اعتقال أمراء الناصر داود له بنابلس، وسوقهم له إلى الكرك، فقال:«أركبوني بغلة بغير مهماز ولا مقرعة، وساروا بي إلى البرية في ثلاثة أيام، والله ما كلمت أحدا منهم كلمة، ولا أكلت لهم طعاما حتى جاءني خطيب البرية، ومعه ثردة عليها دجاجة، فأكلت منها. وأقاموا بي في البرية يومين، ولم أعلم أيش كان المقصود، إذا بهم يريدوا يأخذوا طالعا نحسا، يقتضي أنني لا أخرج من الكرك. ثم أدخلوني الكرك ليلا على الطالع الذي كان سبب سعادتي ونحوسهم. ووكل بي مملوكا له فظا غليظا، يقال له: زريق، فكان أضر علي من كل ما جرى. فأقمت عندهم إلى رمضان؛ سبعة أشهر. ولقد كان عندي خادم صغير، فاتفق أنه أكل ليلة كثيرا، فأتخم، وبال على البسط، فأخذت البساط بيدي والخادم، وقمت من الإيوان إلى قريب الدهليز، وفي الدهليز ثمانون رجلا يحفظوني، وقلت: يا مقدمين، هذا الخادم قد أتلف هذا البساط بالله انزلوا به إلى الوادي واغسلوه. فنفر في زريق، وقال: أيش جاء بك إلى هاهنا وصاحوا علي، فعدت إلى موضعي»(١).
* * *
ويبلغ سبط ابن الجوزي، وهو في القاهرة، أن صلاح الدين موسى بن (٢) شهاب الدين محمد بن خلف المقدسي (٣)، في سجن الصالح أيوب (٤). وكان والده وهو من زهاد المقادسة في صالحية دمشق - شيخا له (٥). وابنه موسى هذا كان خيرا فاضلا، يحب الفقراء، ويخدم المشايخ،