للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

من طيب الصوت، وحسن الحديث، ومعرفة فنونه، ورشاقة عبارته، ولطف شمائله (١)، وتمثل سبطه ذلك تمام التمثيل. وخبر وقع كلامه في النفوس، فمما سمع من أقواله في مواعظه: «من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه * الطاعة تبسط اللسان، والمعاصي تذل الإنسان» (٢)، وسمعه مرة يقول على المنبر: «كتبت بأصبعي هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يدي مئة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني» (٣). وسمعه مرة ينشد في مدح الإمام الشافعي:

من أراد الهدى بقول ابن إدري س … هداه وأين كالشافعي

وشفاء العي السؤال وأنى … بإمام سواه كشاف عي (٤)

ولعل مديح جده هذا للإمام الشافعي أثار فضوله، فسأله ذات يوم: يا سيدي، لم وقع بعض المحدثين في أبي حنيفة، رحمة الله عليه؟ فأجابه جده: لأنه أخذ بالقياس. فبادره السبط بقوله: غيره من الأئمة قد أخذ بالقياس! فرد عليه الجد: ولكن هو أكثر قياسا منهم. فلم يقنع السبط بالجواب، ورد قائلا: هلا وقعوا في أولئك بقدر ما أخذوا من القياس؟ فسكت الشيخ أبو الفرج وكأنه انقطع عن الجواب (٥). ولا شك أنه كان مسرورا بما ظهر من بديهة سبطه في الحوار على حداثة سنه.

* * *

ومع حضور سبط ابن الجوزي مجالس جده، وما كان يسمعه من شيوخه من الحديث والحكايات، كانت ثقته بنفسه تترسخ، حتى إذا آنس فيها القدرة على أن يجلس كجده لوعظ الناس، وربما بتشجيع منه، عقد أول مجلس له سنة ٥٩٦ هـ/ ١٢٠٠ م، وهو في نحو الخامسة عشرة، عند قبر الإمام أحمد ابن حنبل. ويبدو أن مجالسه التي تتالت بعد وجدت قبولا من


(١) سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٧).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٠٢).
(٣) مرآة الزمان (٩٤/ ٢٢).
(٤) مرآة الزمان (١٣/ ٤١٧).
(٥) ينظر: «الانتصار والترجيح» (٩).

<<  <   >  >>