بالقدس بخروج المسلمين، وتسليم القدس إلى الفرنج، وقع في أهل القدس الضجيج والبكاء، وعظم ذلك على المسلمين، وحزنوا لخروج القدس من أيديهم، وأنكروا على الكامل هذا الفعل واستشنعوه منه، إذ كان فتح هذا البلد الشريف واستنقاذه من الكفار أعظم مآثر عمه الناصر صلاح الدين (١).
ولم يكتف أهل القدس بذلك، بل إن الأئمة والمؤذنين فيه حضروا إلى مخيم الكامل في تل العجول، وأذنوا على بابه في غير وقت الأذان، تعبيرا عن رفضهم تسليم القدس. فعز عليه ذلك، وأمر بأخذ ما كان معهم من الستور والقناديل الفضة والآلات، وزجرهم، وقيل: امضوا إلى حيث شئتم. واشتد الإنكار على الكامل، وكثرت الشناعات عليه في سائر الأقطار (٢). فأرسل الكامل جمال الدين الكاتب الأشرفي إلى البلاد الشرقية وإلى الخليفة لتسكين قلوب الناس، وتهدئة انزعاجهم لتنازله عن القدس (٣). وتم إخلاء بيت المقدس من المسلمين، وتسليمه للصليبيين في أول ربيع الآخر سنة ٦٢٦ هـ/ ٢٧ شباط ١٢٢٩ م (٤).
- ٢ -
ولما وصل إلى دمشق الخبر بإخلاء بيت المقدس توغرت قلوب أهلها على الكامل (٥)، وأخذ الناصر داود في التشنيع عليه. وأشار على سبط ابن الجوزي أن يجلس بجامع دمشق، ويذكر ما جرى على بيت المقدس (٦)، ويذكر فضائله، وما ورد فيه من الأخبار والآثار، وأن يحزن الناس، ويذكر ما في تسليمه إلى الكفار من الصغار للمسلمين والعار، قاصدا من وراء ذلك تنفير الناس من عمه، ليناصحوه في قتاله (٧).